اوروبا تتجه نحو كندا لتعزيز اقتصادها في ظل التحديات العالمية

{title}
راصد الإخباري -

لم تحمل التصريحات الاوروبية الاخيرة بشان احتمال انضمام كندا الى الاتحاد الاوروبي دلالة سياسية مباشرة، بقدر ما عكست تحولا اعمق في الاولويات الاقتصادية للقارة. فالمسالة لا تتعلق بتوسيع عضوية الاتحاد بقدر ما تتعلق بتحديد ما تحتاجه اوروبا من شركائها الخارجيين بعد سنوات من الازمات التي كشفت هشاشة نموذجها الاقتصادي التقليدي.

فمنذ ازمة الطاقة التي اعقبت الحرب الروسية على اوكرانيا، مرورا بتوترات الشرق الاوسط وما اثارته الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران من مخاوف على امدادات النفط والملاحة في مضيق هرمز، اضافة الى اضطرابات سلاسل الامداد العالمية وتصاعد المنافسة الصناعية مع الصين والولايات المتحدة، لم يعد الاتحاد الاوروبي ينظر الى العلاقات التجارية من زاوية الرسوم الجمركية وحجم الاسواق فقط، بل من زاوية الامن الاقتصادي، وتنوع مصادر التوريد، وضمان الوصول الى المواد الخام الحيوية.

في هذا السياق، برزت كندا بوصفها شريكا يملك ما تحتاجه اوروبا بصورة متزايدة، بما تجمعه من وفرة الموارد واستقرار المؤسسات والتقدم الصناعي والتقارب السياسي والتنظيمي مع الدول والاقتصادات الغربية.

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في مؤتمر "اوروبا 2026" الذي عقد بالعاصمة الالمانية برلين في مارس/اذار الماضي، ان دولا اخرى قد تنضم مستقبلا الى الاتحاد الاوروبي في وقت ما، وذكر منها كندا، وذلك ضمن حديث اوسع عن صعود اوروبا باعتبارها قوة ثالثة بعد الولايات المتحدة والصين.

بدوره اشار الرئيس الفنلندي الكسندر ستوب الى الفكرة اثناء حديثه مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي قال لاحقا في قمة حلف شمال الاطلسي ان الانضمام "ليس الطريق الذي نسلكه"، لكن رمزية هذا النقاش تخفي واقعا اقتصاديا اوضح، وهو ان اوروبا باتت تنظر الى كندا شريكا استراتيجيا اكثر من كونها موضوعا لنقاش سياسي رمزي.

اعتمد النموذج الاقتصادي الاوروبي عقودا طويلة على ثلاث ركائز رئيسية هي: طاقة مستوردة منخفضة الكلفة، وتجارة عالمية مفتوحة، وسلاسل انتاج عابرة للحدود تعمل بكفاءة عالية.

الا ان السنوات الاخيرة هزت هذه الركائز بقوة، فازمة الغاز دفعت الحكومات الاوروبية الى انفاق مئات المليارات من اليوروهات لتامين بدائل عاجلة للامدادات الروسية، فيما كشف سباق التحول الاخضر والتوسع في السيارات الكهربائية والبطاريات والشبكات الذكية والصناعات الدفاعية ان القارة تفتقر الى كميات كافية من كثير من المعادن الاستراتيجية.

وهكذا تحول التفكير الاوروبي من منطق "الارخص والاسرع" الى منطق "الاكثر امانا والاكثر استدامة". لم تعد المسالة مجرد استيراد سلعة، بل ضمان استمرار الوصول اليها في اوقات التوترات الجيوسياسية.

تكمن اهمية كندا في انها من الدول القليلة التي تجمع بين وفرة الموارد وموثوقية البيئة الاستثمارية، وهو مزيج نادر في الاقتصاد العالمي. فبحسب وزارة الموارد الطبيعية الكندية، انتجت البلاد 125364 طنا من النيكل عام 2024، وهو معدن رئيسي في البطاريات وصناعة الفولاذ المقاوم للصدأ.

كما انتجت كندا 14.3 الف طن من اليورانيوم في العام نفسه، واحتفظت بموقع اكبر منتج عالمي للبوتاس بحصة بلغت 32.8% من الانتاج العالمي. تكشف هذه الارقام ان اوروبا لا تبحث فقط عن خامات، بل عن موردين يمكن الاعتماد عليهم على المدى الطويل.

فالنيكل عنصر اساسي في بطاريات السيارات الكهربائية وانظمة تخزين الطاقة، واليورانيوم ركيزة لامن الطاقة النووية الاوروبية، اما البوتاس فهو مادة محورية في صناعة الاسمدة، ومن ثم في الامن الغذائي واستقرار اسعار الغذاء.

اذا كان هناك رقم واحد يلخص القيمة الاقتصادية لكندا بالنسبة الى اوروبا، فهو ما يتعلق باليورانيوم. فبحسب وكالة يوراتوم الاوروبية للطاقة الذرية، زودت كندا شركات المرافق الاوروبية بنحو 4741 طنا من اليورانيوم الطبيعي عام 2024، بما يعادل 33.9% من اجمالي واردات الاتحاد الاوروبي من هذه المادة في العام نفسه، لتصبح المورد الاكبر للقارة.

ياتي ذلك في وقت تتجه فيه دول اوروبية عدة بينها فرنسا وتشيكيا ورومانيا وبولندا الى توسيع برامج الطاقة النووية او تمديد عمر المفاعلات الحالية ضمن خطط خفض الانبعاثات وتعزيز امن الطاقة. بذلك، لا تبدو كندا موردا محتملا لاوروبا، بل شريكا استراتيجيا بالفعل.

لا تقتصر اهمية كندا على المعادن والطاقة. فقد اظهرت اضطرابات اسواق الاسمدة بعد العقوبات على روسيا وبيلاروسيا ان الامن الغذائي يبدا من المواد الاولية الزراعية. هنا تبرز كندا بصفتها اكبر منتج عالمي للبوتاس، وهو عنصر مهم في رفع انتاجية المحاصيل الزراعية.

اشارت دراسات اوروبية الى ان كندا كانت من ابرز الدول القادرة على تعويض النقص العالمي في البوتاس في فترات الاضطراب. كما انها من كبار مصدري الحبوب والزيوت الزراعية، اذ بلغت صادراتها من القمح 29.2 مليون طن، فيما وصلت صادرات الكانولا الى 9.3 مليون طن حتى يوليو/تموز 2025، وفق بيانات هيئة الاحصاء الكندية.

رغم ان اوروبا لا تعتمد يوميا على كندا موردا غذائيا رئيسيا، فانها تمثل موردا احتياطيا عالي الموثوقية في اوقات اضطراب الاسواق العالمية.

لا تقتصر العلاقة بين الجانبين على الطموحات السياسية او التصورات المستقبلية، بل تستند الى شراكة اقتصادية قائمة تواصل توسعها فعليا. فمنذ بدء التطبيق الموقت لاتفاقية التجارة الاقتصادية الشاملة بين كندا والاتحاد الاوروبي عام 2017، سجل التبادل التجاري بين الطرفين نموا ملحوظا.

تشير بيانات المفوضية الاوروبية الى ان تجارة السلع بين الجانبين بلغت 75.6 مليار يورو (نحو 88.32 مليار دولار) في عام 2024، بينما بلغت تجارة الخدمات 48.9 مليار يورو (نحو 57.13 مليار دولار). كما زادت تجارة السلع باكثر من 75% منذ بدء تطبيق الاتفاقية، وارتفعت تجارة الخدمات بنحو 97%.

اضافت المفوضية في تقييم رسمي ان الاتفاقية رفعت الناتج المحلي الاجمالي السنوي للاتحاد الاوروبي بنحو 3.2 مليارات يورو (نحو 3.74 مليار دولار)، ورفعت الناتج المحلي الاجمالي الكندي بنحو 1.3 مليار يورو (نحو 1.52 مليار دولار) سنويا. كما زادت صادرات الشركات الاوروبية الصغيرة والمتوسطة الى كندا بنسبة 20.3%. تؤكد هذه الارقام ان العلاقة تجاوزت مرحلة المجاملات السياسية الى مكاسب اقتصادية ملموسة.

في المقابل ترى اوتاوا في اوروبا فرصة استراتيجية لتقليل الاعتماد المفرط على السوق الامريكية. فبحسب بيانات كندية رسمية، اتجهت 76% من صادرات السلع الكندية الى الولايات المتحدة عام 2024، قبل ان تنخفض النسبة الى 71.7% عام 2025 مع محاولات التنويع التجاري. يعني ذلك ان الاقتصاد الكندي يبقى شديد الحساسية لاي توترات تجارية او تنظيمية او سياسية مع واشنطن. اما اوروبا، فتمنح كندا منفذا الى سوق تضم اكثر من 449 مليون مستهلك وناتجا اقتصاديا يناهز 25.1 تريليون دولار وفق بيانات كندية رسمية.

قال الخبير الكندي مارك كاميليري في تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي"، ان كندا لا تحتاج الى عضوية الاتحاد الاوروبي، بل الى تعظيم الاستفادة من الاتفاق التجاري الحالي وتوسيعه نحو شراكة اعمق، محذرا من ان الانضمام الكامل قد يفرض اعادة تنظيم واسعة قد تربك الاقتصاد الكندي المرتبط بامريكا الشمالية.

على الارجح، لن تكون المرحلة المقبلة في العلاقة بين الجانبين عضوية سياسية، بل تعميقا مؤسسيا للعلاقة الاقتصادية، بحسب مراقبين. يشمل ذلك توسيع التعاون في المعادن الحرجة، والتجارة الرقمية، والاستثمار الصناعي والطاقة النظيفة وسلاسل الامداد الدفاعية وتنسيق القواعد التنظيمية.

في مارس/اذار 2026، اطلق الجانبان مفاوضات لاتفاق تجارة رقمية جديد، في خطوة تعكس انتقال العلاقة من منطق التجارة التقليدية الى منطق الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية الاوسع. تشير بيانات اوروبية الى ان اكثر من 40% من تجارة الخدمات بين الجانبين تتم بالفعل بوسائل رقمية.

لا تتعامل اوروبا مع كندا بوصفها مشروع توسع سياسي، بل شريكا موثوقا يعزز قدرتها على مواجهة صدمات الاسواق وتقلبات الجغرافيا الاقتصادية. فيما يمنح التقارب مع القارة لاوتاوا منفذا اوسع لتقليل الاعتماد على سوق واحدة. قد يخفت الجدل المرتبط بالعضوية، الا ان دوافع التقارب الاقتصادية تبدو اكثر رسوخا، خاصة في مرحلة تتقدم فيها اعتبارات الامان والمرونة على منطق الكلفة وحده.