اضطراب الطيران العالمي حرب ايران ترفع تكاليف التشغيل

{title}
راصد الإخباري -

دخلت صناعة الطيران العالمية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار مع اتساع نطاق تداعيات الحرب الايرانية على اسواق الطاقة وحركة الملاحة الجوية وسلاسل الامداد حسبما ذكرت مصادر متطابقة اليوم. اضافت المصادر ان هذه الازمة تهدد شركات الطيران بارتفاعات حادة في التكاليف وخسائر تشغيلية متزايدة في وقت يسعى فيه القطاع للتعافي من اثار الجائحة والتباطؤ الاقتصادي العالمي.

بينت المصادر انه خلال الاسابيع الاخيرة تحولت الحرب في الشرق الاوسط من ازمة جيوسياسية بعيدة نسبيا عن القطاع الى عامل ضغط مباشر على شركات الطيران والمطارات وموردي الوقود. اوضحت المصادر ان التوترات المتصاعدة ادت الى اضطراب امدادات الوقود وارتفاع اسعار النفط واعادة رسم مسارات الرحلات الجوية العالمية خصوصا بين اوروبا واسيا.

ومع استمرار المخاوف بشان امن الملاحة في المنطقة بدات شركات الطيران العالمية تواجه واقعا تشغيليا اكثر تعقيدا وتكلفة وفقا لمحللين في القطاع. حذر المحللون من ان الازمة الحالية قد تتحول الى واحدة من اصعب الفترات التي يمر بها القطاع منذ الحرب الروسية الاوكرانية.

وفي احدث مؤشر على خطورة الوضع ابلغ الاتحاد الاوروبي شركات الطيران والمطارات بانه لا توجد عقبات تنظيمية امام استخدام نوعية جيت ايه من وقود الطائرات الشائع في الولايات المتحدة كبديل لوقود جيت ايه-1 المستخدم تقليديا في اوروبا. وياتي ذلك لتجنب نقص محتمل في الامدادات نتيجة اضطراب الاسواق المرتبط بالحرب الايرانية بحسب تقارير رسمية.

قالت المفوضية الاوروبية ان شركات الطيران يمكنها استخدام الوقود البديل شريطة ادارة العملية بحذر والتنسيق الكامل عبر سلسلة التوريد. دعت وكالة سلامة الطيران الاوروبية اياسا الى اتخاذ احتياطات تشغيلية اضافية عند التحول بين النوعين.

كما اكدت بروكسل ان الازمة الحالية لا تبرر تعليق حقوق المسافرين او التخفف من التزامات التعويضات تجاه الركاب. اعتبرت ان اضطراب سوق الوقود لم يصل بعد الى مستوى القوة القاهرة الكاملة.

كشفت هذه الخطوة حجم القلق داخل اوروبا من احتمال حدوث اختناقات في سوق الوقود النفاث خصوصا ان جزءا مهما من الامدادات العالمية يمر عبر الشرق الاوسط او يعتمد على خامات ومنشات مرتبطة بالمنطقة.

تعد صناعة الطيران من اكثر القطاعات حساسية تجاه تقلبات اسعار الطاقة اذ يشكل الوقود ما بين 25 و35 بالمئة من اجمالي تكاليف التشغيل لدى معظم شركات الطيران. لذلك فان اي ارتفاع مستمر في اسعار النفط او اضطراب في الامدادات ينعكس سريعا على اسعار التذاكر وهوامش الارباح وخطط التوسع.

منذ اندلاع الحرب ارتفعت اسعار الوقود بشكل متسارع بينما اتسعت الفجوة السعرية بين مناطق التوريد المختلفة. دفع ذلك شركات الطيران الى اعادة تقييم استراتيجيات الشراء والتحوط كما بدا بعض الشركات الاوروبية والاسيوية بالفعل في البحث عن مصادر وقود بديلة او زيادة المخزونات الاحتياطية تحسبا لمزيد من التدهور.

لكن ازمة القطاع لا تتوقف عند الوقود وحده فالحرب الايرانية اعادت ايضا رسم خريطة المسارات الجوية العالمية بعدما اضطرت شركات عديدة الى تجنب اجزاء واسعة من المجال الجوي في الشرق الاوسط سواء لاسباب امنية او نتيجة ارتفاع مخاطر التامين.

ادى ذلك الى زيادة زمن الرحلات بين اوروبا واسيا وارتفاع استهلاك الوقود وتراجع كفاءة الجداول التشغيلية. تسبب ذلك في ضغوط اضافية على الطواقم الجوية والمطارات خصوصا مع اضطرار بعض الرحلات الى تنفيذ توقفات فنية للتزود بالوقود او تعديل المسارات بصورة مستمرة.

تواجه شركات الطيران الاوروبية تحديدا وضعا معقدا لانها تكبدت بالفعل خسائر اضافية خلال السنوات الماضية نتيجة اغلاق الاجواء الروسية بعد الحرب في اوكرانيا. مع تعقد المسارات عبر الشرق الاوسط ايضا تجد الناقلات الاوروبية نفسها امام شبكة تشغيل اكثر تكلفة واقل مرونة مقارنة ببعض المنافسين الاسيويين او الخليجيين.

اما شركات الطيران الاسيوية فتواجه بدورها ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الطلب في بعض الاسواق خصوصا مع تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع حركة الشحن الجوي العالمية مقارنة بذروة ما بعد الجائحة.

في الولايات المتحدة تتابع شركات الطيران التطورات بحذر خصوصا مع ارتفاع اسعار النفط محليا وتزايد المخاوف من تاثير الازمة على التضخم والانفاق الاستهلاكي.

قد بدا بعض الشركات الاميركية بالفعل في التحذير من ضغوط محتملة على الارباح خلال النصف الثاني من العام اذا استمرت اسعار الوقود عند مستوياتها الحالية او ارتفعت اكثر.

يخشى المستثمرون من ان تتحول الازمة الى دورة جديدة من الضغوط المالية على القطاع بعدما كانت شركات الطيران قد بدات اخيرا في استعادة مستويات الربحية التي فقدتها خلال جائحة كوفيد - 19. كثير من الشركات لا يزال مثقلا بالديون التي تراكمت خلال سنوات الاغلاق ما يجعل هذه الشركات اكثر هشاشة امام اي صدمة جديدة في التكاليف.

كما ان قدرة الشركات على تمرير ارتفاع الاسعار الى المستهلكين تبدو محدودة نسبيا هذه المرة بسبب تباطؤ الطلب العالمي وارتفاع حساسية المسافرين تجاه اسعار التذاكر بعد موجة التضخم الاخيرة.

في هذا السياق بدات شركات طيران بالفعل في تقليص توقعاتها المالية او مراجعة خطط التوسع فيما يراقب القطاع بقلق احتمال امتداد الازمة الى موسم السفر الصيفي الذي يمثل الفترة الاكثر ربحية لشركات الطيران في اوروبا واميركا الشمالية.

تبرز هنا معضلة اضافية تتعلق بالتامين وادارة المخاطر فالحرب رفعت تكلفة التامين على الطائرات والرحلات العابرة للمناطق القريبة من النزاع كما زادت المخاطر المرتبطة بتقلبات الاسواق واسعار العملات والطاقة. هذا الوضع يضع ضغوطا خصوصا على الشركات منخفضة التكلفة التي تعتمد على هوامش ربح ضيقة ونماذج تشغيل عالية الكفاءة.

في المقابل قد يستفيد بعض شركات الطيران نسبيا من اعادة توجيه الحركة الجوية العالمية عبر مراكزها التشغيلية لكن حتى هذه الشركات تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع الوقود والمخاطر الاقليمية واحتمال تراجع الطلب اذا توسعت الحرب.

اما قطاع الشحن الجوي فيبدو من اكثر القطاعات تعرضا للتقلبات الحالية نظرا لاعتماده الكبير على استقرار سلاسل الامداد العالمية. قد بدات تكاليف الشحن ترتفع بالفعل على بعض الخطوط فيما تواجه الشركات صعوبة متزايدة في الحفاظ على جداول التسليم المعتادة.

يرى محللون ان الازمة الحالية تعكس هشاشة صناعة الطيران امام الصدمات الجيوسياسية رغم كل محاولات القطاع خلال السنوات الماضية لبناء نماذج تشغيل اكثر مرونة فالحروب لا تؤثر فقط على حركة الطائرات بل تمتد اثارها الى الوقود والتامين والتمويل والطلب والسياحة وسلاسل التوريد في ان واحد.

كما تكشف الازمة عن التداخل المتزايد بين امن الطاقة وامن النقل العالمي فاضطراب امدادات الوقود في الشرق الاوسط لا ينعكس فقط على اسعار النفط بل يمتد مباشرة الى تكاليف السفر والتجارة العالمية والنمو الاقتصادي.

في الوقت الراهن تبدو الاسواق مقتنعة بان الازمة لن تكون قصيرة او محدودة التاثير. لذلك تتجه شركات الطيران والحكومات الى التركيز على ادارة الازمة بدلا من انتظار نهاية سريعة للحرب.

مع استمرار حالة عدم اليقين يبقى السؤال الاهم بالنسبة للقطاع الى اي مدى تستطيع شركات الطيران تحمل موجة جديدة من ارتفاع التكاليف والاضطرابات التشغيلية بعد سنوات من الازمات المتلاحقة؟

حتى الان لا توجد اجابة واضحة لكن الموكد ان الحرب الايرانية اعادت وضع صناعة الطيران العالمية في قلب العاصفة الاقتصادية في وقت كان فيه القطاع يامل اخيرا في العودة الى مسار الاستقرار والنمو.