اليابان تتحرك للدفاع عن الين وسط قلق عالمي

{title}
راصد الإخباري -

تتجه الأنظار إلى طوكيو مع استعداد وزير الخزانة الأميركي لعقد اجتماعات رفيعة المستوى مع رئيسة الوزراء اليابانية ووزيرة المالية ومحافظ بنك اليابان، في زيارة تعكس تصاعد القلق العالمي من أزمة الين الياباني وتداعياتها على الاقتصاد الدولي.

تأتي الزيارة في توقيت حساس للغاية، بعدما أطلقت اليابان واحدة من أقوى رسائلها للأسواق منذ سنوات، معلنة أنها مستعدة للدفاع عن عملتها بلا حدود، وسط موجة تراجع حادة دفعت الين إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، وأثارت مخاوف كبيرة من تحول ضعف العملة إلى أزمة اقتصادية وسياسية داخلية.

أكد نائب وزير المالية الياباني للشؤون الدولية أن طوكيو لا تواجه قيودا على عدد مرات تدخلها في أسواق الصرف، مبينا أن السلطات اليابانية على تواصل يومي مع الولايات المتحدة بشأن تحركات العملات. جاءت تصريحاته في وقت تزداد فيه التكهنات بأن اليابان تدخلت بالفعل عدة مرات خلال الأيام الماضية لدعم الين ومنع انهياره دون مستويات تعدها الأسواق خطوطا حمراء.

الرسالة اليابانية لم تكن موجهة فقط إلى المضاربين، بل أيضا إلى الداخل الياباني الذي بدأ يشعر بوطأة انهيار العملة على حياته اليومية. أضاف أن ارتفاع أسعار الواردات من النفط إلى المواد الغذائية أدى إلى زيادة تكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة، ما وضع الحكومة وبنك اليابان تحت ضغط سياسي كبير.

أصبحت تحركات الين قضية تتجاوز الأسواق المالية لتتحول إلى اختبار مباشر لقدرة صناع القرار في اليابان على حماية الاقتصاد من موجة تضخم مستوردة تهدد القوة الشرائية للأسر وتضغط على شعبية الحكومة.

شهدت الأسواق تحركات حادة عززت الاعتقاد بأن طوكيو دخلت فعليا إلى السوق. فقد ارتفع الين بصورة مفاجئة من نحو 157.8 ين للدولار إلى مستوى 155 خلال أقل من نصف ساعة، في قفزة عدها المتعاملون دليلا واضحا على تدخل حكومي مباشر. تشير بيانات سوق المال إلى أن السلطات ربما أنفقت ما يقارب 35 مليار دولار لدعم العملة اليابانية.

يرى المسؤول السابق في بنك اليابان أن مستوى 160 ينا للدولار أصبح مستوى نفسيا حرجا بالنسبة للأسواق والسلطات اليابانية على حد سواء. وحسب تقديره، فإن وزارة المالية اليابانية لا تسعى بالضرورة إلى الدفاع عن رقم محدد، لكنها تريد منع الأسواق من الاعتقاد بأن طوكيو مستعدة لقبول مزيد من الانهيار في قيمة الين.

يعكس هذا التحول في الموقف الياباني حجم الأزمة التي يواجهها ثالث أكبر اقتصاد في العالم. أوضح أن اليابان التي اعتادت لعقود على التعامل مع قوة الين بوصفها مشكلة رئيسية تهدد صادراتها، تجد نفسها اليوم أمام معادلة معاكسة تماما، حيث أصبح ضعف العملة مصدر القلق الأكبر بسبب تأثيره المباشر على التضخم وتكلفة المعيشة.

تقف السياسة النقدية لبنك اليابان في قلب هذه الأزمة، والتي لا تزال أكثر تيسيرا مقارنة بالبنوك المركزية الكبرى الأخرى. فبينما رفعت الولايات المتحدة وأوروبا أسعار الفائدة بقوة خلال العامين الماضيين لمواجهة التضخم، تحرك بنك اليابان ببطء شديد، ما أدى إلى اتساع الفجوة في العوائد بين اليابان والأسواق الأخرى ودفع المستثمرين إلى بيع الين لصالح الدولار.

يترقب المستثمرون باهتمام بالغ ما سيقوله وزير الخزانة الأميركي خلال زيارته لطوكيو. بين أن الرجل أشار مرارا إلى أن ضعف الين لا يمكن معالجته فقط عبر التدخلات في سوق الصرف، بل يحتاج إلى سياسة نقدية أكثر تشددا من جانب بنك اليابان، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة بوتيرة أسرع.

تحمل هذه الرسائل الأميركية حساسية كبيرة بالنسبة لطوكيو، لأن أي تشديد سريع للسياسة النقدية قد يهدد تعافي الاقتصاد الياباني الذي لا يزال هشا، كما قد يرفع تكلفة خدمة الدين العام الهائل الذي يعد الأكبر بين الاقتصادات المتقدمة.

تزداد الضغوط على بنك اليابان بالفعل. أظهرت محاضر اجتماعات البنك الأخيرة أن بعض أعضاء مجلس الإدارة بدأوا يدفعون نحو رفع مبكر للفائدة بسبب تصاعد الضغوط التضخمية، في مؤشر إلى أن المؤسسة النقدية ربما تقترب من نقطة تحول تاريخية بعد سنوات طويلة من الفائدة المنخفضة للغاية.

لا تتوقف أهمية زيارة بيسنت عند ملف العملات فقط، بل تمتد إلى ملفات الأمن الاقتصادي وسلاسل التوريد والطاقة، خصوصا مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واستمرار المخاوف المرتبطة بالحرب في إيران. تعتمد اليابان بشكل كبير على واردات الطاقة، وأي ارتفاع إضافي في أسعار النفط قد يزيد الضغط على الين ويعمق أزمة التضخم.

يتوقع أن تشمل المحادثات قضايا المعادن النادرة وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، في ظل سعي واشنطن وطوكيو إلى تقليل الاعتماد على الصين في المواد الأساسية للصناعات التكنولوجية والدفاعية.

تبدو اليابان تحاول أيضا استخدام عنصر الردع النفسي ضد الأسواق. تهدف التصريحات الرسمية المتكررة بشأن الاستعداد للتدخل إلى جانب الغموض المتعمد حول توقيت وحجم التدخلات الفعلية إلى إرباك المضاربين وتقليل رهاناتهم ضد الين.

يرى محللون أن السلطات اليابانية استغلت فترة التداول الضعيفة خلال عطلة الأسبوع الذهبي لتنفيذ تدخلات تحقق أكبر تأثير ممكن، مستفيدة من انخفاض السيولة ووجود مراكز بيع ضخمة على الين في السوق. رغم ذلك، لا يزال كثيرون يشككون في قدرة التدخلات وحدها على تغيير الاتجاه العام للعملة.

تكمن المشكلة الأساسية في العوامل الاقتصادية العميقة التي تدفع المستثمرين إلى تفضيل الدولار على الين، وليس فقط في المضاربات قصيرة الأجل. لهذا السبب، سرعان ما عاد الين إلى التراجع بعد كل موجة صعود مرتبطة بالتدخلات الحكومية.

يعتقد بعض المحللين أن الأسواق تركز الآن على سؤال واحد: هل ستدعم الولايات المتحدة اليابان بشكل أكثر وضوحا إذا استمر تراجع الين؟ وحتى الآن، يبدو أن واشنطن تفضل ترك طوكيو تتحرك منفردة، مع الاكتفاء بالتنسيق السياسي وتبادل المعلومات.

يعكس مجرد عقد هذه الاجتماعات رفيعة المستوى إدراكا كبيرا لدى الجانبين بأن اضطراب سوق العملات لم يعد مسألة محلية تخص اليابان وحدها، بل تحول إلى قضية لها انعكاسات على الاستقرار المالي العالمي بأكمله.

تبدو اليابان اليوم أمام اختبار اقتصادي دقيق: فهي تحاول الدفاع عن عملتها دون خنق اقتصادها، واحتواء التضخم دون الإضرار بالنمو، واستعادة ثقة الأسواق دون الدخول في مواجهة مفتوحة مع الاتجاهات العالمية الكبرى.

أما بالنسبة للأسواق، فإن الرسالة الأوضح حتى الآن هي أن طوكيو لن تقف مكتوفة الأيدي. فاليابان، كما تقول رسميا، مستعدة للدفاع عن الين بلا حدود. يبقى السؤال الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة: إلى أي مدى تستطيع التدخلات وحدها الصمود أمام قوة الدولار وتحولات الاقتصاد العالمي؟