مخاوف من شبح ليمان براذرز وازمة عالمية تلوح في الافق
بينما يسترجع العالم ذكريات خريف 2008، عندما غادر موظفو بنك «ليمان براذرز» مكاتبهم حاملين متعلقاتهم، تظهر اليوم إشارات تحذيرية تنذر بأزمة جديدة، حسب تقرير لشبكة «بي بي سي».
أوضح الخبراء أن الأزمة المتوقعة ليست مجرد تكرار للماضي، بل هي أزمة «تآكل سيادي» و«ديون مستترة» تتفاقم في ظل صراع جيوسياسي محتدم، واصفين الوضع بأنه «منطقة متاعب ممتدة» تتداخل فيها هشاشة النظام المالي مع جفاف موارد الطاقة العالمية.
أضاف التقرير أن القنبلة الموقوتة لأزمة تكمن في قطاع «الائتمان الخاص»، الذي تجاوز حجمه 2.5 تريليون دولار خارج نطاق رقابة البنوك المركزية.
أشار التقرير إلى أن ما يشهده قطاع الائتمان الخاص اليوم، مع القيود على الاسترداد التي فرضتها مؤسسات مثل «بلاك روك» و«بلاك ستون»، يمثل ظاهرة «الهروب البطيء من السيولة».
بين التقرير أنه على عكس أزمة 2008، حيث كانت الطوابير تصطف أمام البنوك، فإن الطوابير اليوم رقمية ومؤجلة عبر ما يعرف بـ«بوابات السيولة».
تكمن الخطورة في أن هذه الصناديق استثمرت أموال المودعين في أصول غير سائلة (قروض طويلة الأجل)، وعندما يتجه الجميع نحو «المخرج الضيق» في وقت واحد، تجد الصناديق نفسها غير قادرة على تسييل أصولها دون خسائر كبيرة، مما يهدد بشح مفاجئ في الائتمان يعطل قطاعات الإنتاج الحقيقي التي تعتمد على هذه القروض لتمويل عملياتها اليومية.
وصفت سارة بريدين، نائبة محافظ بنك إنجلترا، الهيكل المالي الحالي بأنه «كعكة طبقات من الرافعة المالية»، حيث لم تكتفِ صناديق الائتمان بأموال المستثمرين، بل اقترضت مبالغ ضخمة لتعظيم أرباحها.
أوضحت أن هذا الاعتماد المفرط على الديون لخلق ديون أخرى يخلق حالة من الغموض والتشابك، حيث يؤدي تعثر أي حلقة صغيرة إلى انهيار متسلسل في النظام بأكمله، مؤكدة أن هذا النموذج «الهش» يجعل الأزمة أكثر خطورة من أزمة 2008، لأن المخاطر انتقلت من البنوك الخاضعة للرقابة إلى «منطقة الظل» التي تفتقر إلى وسائل الحماية الواضحة.
أكد الخبراء، وعلى رأسهم رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، أن التهديدات التي تواجه مضيق هرمز حالياً تمثل «أكبر أزمة أمن طاقة في التاريخ الحديث»، متجاوزة في تأثيرها صدمات عامي 1973 و1979.
أضاف الخبراء أنه مع استقرار أسعار النفط عند مستويات حرجة تقترب من 126 دولاراً للبرميل نتيجة للتصعيد الجيوسياسي، يواجه العالم «تضخماً هيكلياً» يتجاوز الحدود.
أشار التقرير إلى أن هذا الارتفاع الكبير يضغط على الميزانيات العمومية للدول التي استنفدت بالفعل «حيزها المالي» خلال الجائحة، مما يجعلها غير قادرة على توفير شبكات أمان لمواطنيها في مواجهة موجات الغلاء القادمة.
أوضح الخبير الاقتصادي محمد العريان أن المعضلة الكبرى في هذه الأزمة هي أن أدوات الإنقاذ التي استخدمت في عام 2008 قد استنفدت، واصفاً الحكومات والبنوك المركزية بأنها «فرقة إطفاء نفد منها الماء».
بينما كان الدين العام البريطاني أقل من 50 في المائة خلال الأزمة السابقة، فإنه يقترب اليوم من 100 في المائة من الناتج المحلي، وهذا التآكل في المساحة السياسية النقدية يعني أن الدول لم تعد لديها القدرة المالية لضخ مليارات الدولارات لإنقاذ المؤسسات المتعثرة، مما يترك النظام المالي مكشوفاً تماماً في مواجهة أي زلزال قادم في ظل غياب التنسيق الدولي والحروب التجارية المحتدمة.
كشف تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر في أبريل عن حالة من «الاضطراب المزدوج»، حيث تزامنت الضغوط التضخمية مع تسييل قسري للأصول، مما أدى إلى انخفاض الأسهم العالمية بنسبة 8 في المائة في شهرين.
حذر التقرير من «الحلقة المفرغة» التي تربط بين خسائر السندات وتآكل الميزانيات العمومية للبنوك، حيث أن ارتفاع عوائد السندات يقلل من قيمة الأصول البنكية، مما يدفع المؤسسات المالية إلى تقليص الإقراض.
أكد التقرير أن الفرق الجوهري بين أزمة 2008 والوضع الحالي هو غياب «القدرة على التحرك الجماعي»، مشيراً إلى أننا نشهد اليوم «تفككاً تاريخياً» في التحالفات.
في ظل الانقسام الحاد بين القوى العظمى، يفتقر العالم إلى «إطفائي دولي» مستعد لضخ السيولة المنسقة، مما يحول الأزمة من مجرد تعثر مالي مؤقت إلى مرحلة «تآكل مستمر» وشامل في بنية الاقتصاد العالمي، تاركاً الدول والأسواق في مواجهة منفردة مع مصيرها الاقتصادي.







