السعودية تعزز التجارة بمنظومة ربط تتجاوز مضيق هرمز
في ظل التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية وتعطيل الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، كشفت السعودية عن قوة منظومتها للنقل، التي أصبحت بمثابة شريان بديل يضمن استمرار تدفق التجارة العالمية. وأكدت الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجيستية، التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عام 2021، نجاح الرياض في تفعيل ربط عابر للقارات. وأظهرت جاهزية البنية التحتية السعودية وقدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة تشغيلية تجاوزت 97%.
وبينت أن هذه المنظومة تهدف إلى ترسيخ مكانة المملكة كمركز عالمي يربط القارات الثلاث. وأضافت أنها دخلت حيز التنفيذ الفعلي من خلال تطوير مناطق لوجستية بالشراكة مع كبرى الشركات العالمية، وتسريع إجراءات التصدير والتوريد في المجالات الجوية والبرية والبحرية. وأوضحت أن الحكومة تمكنت من ضمان استمرارية تدفق السلع والخدمات والطاقة، والانتقال من مجرد مطور للبنية التحتية إلى فاعل رئيسي في استقرار الاقتصاد العالمي في أوقات الأزمات.
قال الخبير اللوجيستي حسن ال هليل، إن النقل الجوي يمثل المحرك الأساسي للاستجابة الطارئة، حيث يستحوذ على ما بين 70 و80 في المائة من عمليات الإجلاء السريعة. وأشار إلى أن النقل البحري يُستخدم للعمليات الجماعية التي تشمل ما بين 500 و2000 شخص، مع زمن استجابة يتراوح بين 24 و72 ساعة، مما يعكس جاهزية تشغيلية عالية وبنية تحتية متقدمة.
جاهزية عالية للاستجابة الطارئة
أكد ال هليل أن هذه العمليات تتم عبر تنسيق مؤسسي متكامل وبروتوكولات سلامة صارمة تشمل الفحص الطبي والرعاية في أثناء النقل. وبين أن التحديات تشمل ازدحام الممرات الجوية وارتفاع زمن الرحلات بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة، بالإضافة إلى اختلاف الأنظمة الدولية وتأخيرات قد تصل إلى 48 ساعة، وضعف البنية التحتية في مناطق الأزمات بما قد يخفض الكفاءة إلى 40 في المائة.
أضاف أن المملكة تحافظ على معدل نجاح يتجاوز 97 في المائة بفضل مرونتها التشغيلية وخطط الطوارئ المدروسة. وأشار إلى أن هذه المنظومة لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تمثل نموذجاً استراتيجياً يضمن استمرارية تدفق السلع والخدمات والطاقة داخلياً وخارجياً.
تصدّر النقل البحري المشهد بوصفه بديلاً جيوسياسياً، حيث تحولت مواني البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء ينبع، إلى شريان استراتيجي فعال للشحنات التي كانت تمر عبر مضيق هرمز. ومع تكامل هذه المواني مع خط أنابيب «شرق - غرب»، أصبحت المملكة قادرة على إعادة توجيه صادراتها بعيداً عن مناطق التوتر دون الإخلال بالإمدادات.
ميناء ينبع بديلا استراتيجيا
في دلالة واضحة على هذه المرونة، بلغ متوسط شحنات النفط الخام المخصصة للتصدير من محطتي ينبع الجنوبية وينبع الشمالية 4.4 مليون برميل يومياً خلال الأيام الخمسة الماضية. وتعمل المملكة على زيادة شحنات التصدير من موانيها على البحر الأحمر إلى 5 ملايين برميل يومياً.
في المقابل، انخفضت تكاليف النقل بنسبة 58 في المائة نتيجة تمركز السفن بالقرب من المواني السعودية، واستقبال شحنات استثنائية ضخمة مثل توربينات الرياح التي حُوّل مسارها من الجبيل إلى ينبع لضمان سرعة التنفيذ.
أشار ال هليل إلى أن هذا «التنويع الذكي» في مسارات التصدير خفّض التعرض لنقاط الاختناق بنسبة تصل إلى 40 في المائة. وساعد ذلك على امتصاص قفزات تكاليف الشحن العالمي التي بلغت 50 في المائة خلال فترات التصعيد، وفرض رسوم مخاطر جيوسياسية تتراوح بين 0.05 و0.25 في المائة من قيمة الشحنة، أو زيادة في التأمين تتراوح بين 10 و25 في المائة.
تنويع مسارات التصدير
على الأرض، تحولت المملكة إلى ممر رئيسي لإعادة توزيع البضائع نحو دول الخليج، مدعومةً بأسطول يتجاوز 500 ألف شاحنة، ورفع طاقة قطارات «سار» لنقل أكثر من 2500 حاوية يومياً. ونُقلت بالفعل آلاف شاحنات السلع إلى الكويت والبحرين، في مشهد يعكس تحوّل المملكة إلى محور توزيع إقليمي فعّال.
لم يتوقف هذا التحول عند الحدود البرية، بل امتد لتعزيز الربط البحري داخل الخليج بوصفه خياراً استراتيجياً موازياً؛ حيث أطلقت الهيئة العامة للمواني (موانئ) جسراً تجارياً جديداً يربط الدمام بإمارة الشارقة عبر شراكة استراتيجية مع شركة «غلف تينر».
أطلقت الخطوط الحديدية السعودية «سار» ممراً لوجيستياً دولياً عبر قطارات البضائع. يربط مواني المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة، في خطوة تستهدف تعزيز الربط مع الأردن والدول شمال المملكة ودعم حركة التجارة الإقليمية.
تسهيل حركة التجارة الإقليمية
بعيداً عن لغة الأرقام التجارية، برزت كفاءة المنظومة في أبعادها الإنسانية والإقليمية، حيث لعبت دوراً محورياً في تسهيل حركة الركاب ونقل العالقين؛ وتجسد ذلك في نقل مواطنين كويتيين براً من الرياض إلى الكويت في خطوة تعكس عمق الروابط الخليجية. وفي قطاع النقل الجوي، استقبل مطار عرعر الدولي رحلات قادمة من العراق لدعم حركة المسافرين. مع الحفاظ على معدل نجاح تشغيلي يتجاوز 97 في المائة.
تبنت الجهات المختصة نهجاً مرناً عبر منح استثناءات مؤقتة للسفن. مما أسهم في تقليل زمن التوقف بنسبة تصل إلى 25 في المائة، وخفض التكاليف التشغيلية دون الإخلال بمعايير السلامة. وساعدت هذه المرونة في خفض تكاليف النقل البحري بنسبة تتراوح بين 8 و18 في المائة. وتقليل تقلبات أسعار الشحن بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة.
امتدت هذه الكفاءة لتشكل صمام أمان للأمن الغذائي الإقليمي. حيث ضمنت المنافذ البرية تدفق السلع إلى الأسواق القطرية واستقرارها. وأكد ال هليل أن المملكة طوّرت نموذجاً متكاملاً يقوم على تنويع مصادر الاستيراد من أكثر من 25 دولة. إلى جانب الحفاظ على مخزون استراتيجي يصل إلى 12 شهراً لبعض السلع.







