عوائد السندات العالمية ترسل انذارات مدوية للاقتصاد
بينما تنشغل العواصم الكبرى بقرارات الحرب والسلم في الشرق الاوسط، كشفت سوق السندات العالمية عن صافرات انذار مدوية تتجاوز شاشات التداول لتضرب صلب الاقتصاد المعيشي. واضافت التقارير انه من واشنطن الى لندن وطوكيو، تمر سوق الديون السيادية بمرحلة اعادة تسعير عنيفة. واوضحت ان ذلك يؤكد ان تكلفة الاقتراض العالمي بدات رحلة صعود قد لا تنتهي قريبا، وسط تجاهل سياسي للمخاطر المالية المحدقة.
في الولايات المتحدة، اخترق العائد على السندات لاجل 20 عاما حاجز الـ5 في المئة يوم الاثنين للمرة الاولى منذ اشهر، مبينا ان ذلك في اشارة واضحة الى ان وول ستريت بدات تفقد ثقتها برهانات خفض الفائدة. واظهرت البيانات ان هذه القفزة لم تكن مدفوعة ببيانات التضخم التقليدية فحسب، بل بضرورات تمويل الحرب. وقالت التقارير ان الخزانة الاميركية تضطر الى اقتراض مئات المليارات لتمويل النزاع، مما اغرق السوق بمعروض ضخم من السندات ادى الى انخفاض اسعارها وارتفاع عوائدها.
بينت التقارير ان هذا الارتباك ادى الى تبخر امال خفض الفائدة، فالحرب في مفهوم السوق اليوم تعني تضخما بسبب قفزة النفط الى 100 دولار وليست امانا. واوضحت ان هذا الواقع اجبر صناديق التحوط على بيع مراكزها لتغطية خسائرها، مما دفع بعائد السندات لاجل 10 سنوات الى 4.39 في المئة، وهو الاعلى منذ الصيف الماضي. واشارت الى ان عائد الـ30 عاما يطرق ابواب الـ5 في المئة بقوة بعد ان سجل 4.98 في المئة في تداولات الثلاثاء.
تاثير الحرب على الاقتصاد العالمي
وما زاد المشهد تعقيدا هو اخفاق الاكتتابات المزادات التي طرحتها وزارة الخزانة مطلع الاسبوع، حيث واجهت الديون الحكومية الجديدة طلبا ضعيفا وغير متوقع من المستثمرين. وبينت البيانات ان هذا الفشل في تغطية المزادات بالاسعار المستهدفة اجبر العوائد على القفز فورا لجذب المشترين، كاشفا عن حقيقة مرة: الاسواق لم تعد مستعدة لاستيعاب ديون واشنطن المتراكمة دون علاوة مخاطر مرتفعة.
ويرسل هذا الارتباك في الاكتتابات رسالة تحذيرية مفادها ان قدرة الولايات المتحدة على تمويل حروبها عبر الديون بدات تصطدم بجدار الواقع المالي. واضافت التقارير انه مما دفع بعائد السندات لاجل 10 سنوات الى 4.39 في المئة، في حين يطرق عائد الـ30 عاما ابواب الـ5 في المئة بقوة بعد ان سجل 4.98 في المئة في تداولات الثلاثاء.
واظهرت ارقام وزارة الخزانة ان اجمالي الدين القومي الاميركي تجاوز مستوى قياسيا حتى 19 مارس. وبلغ 39 تريليون دولار. وبينت ان هذا يمثل اجمالي الدين الفيدرالي القائم الذي نما بسرعة، حيث اضاف ما يقرب من تريليون دولار في غضون خمسة اشهر تقريبا. واوضحت انه من المتوقع ان ينمو الدين اكثر بسبب العجز المستمر وتكاليف الفائدة.
تداعيات ارتفاع عوائد السندات
هذا الارتفاع التقني يترجم فورا الى واقع مرير للمواطن الاميركي، اذ قفز الرهن العقاري الثابت لـ30 عاما الى 6.53 في المئة. ومع انخفاض طلبات اعادة التمويل بنسبة 19 في المئة، يبدو ان موسم الشراء الربيعي الاهم في السنة العقارية ينهار في الوقت الفعلي. واكدت التقارير ان الاقتصاد يدفع ضريبة الحرب من جيب المقترضين.
وعلى الجانب الاخر من الاطلسي، تصدرت السندات البريطانية قائمة الاكثر تضررا بين دول مجموعة السبع، فقد قفزت العوائد لتتجاوز مستويات ازمة 2008. واوضحت التقارير ان ذلك يعكس حساسية لندن المفرطة تجاه صدمات الطاقة. ويرى المستثمرون ان بريطانيا تدفع علاوة مخاطر اضافية بسبب اعتمادها على الغاز المستورد، مما بدد امال خفض الفائدة من بنك انجلترا وجعل السندات البريطانية تسجل اسوا اداء تاريخي مقارنة باقرانها.
وحتى اليابان التي لطالما كانت استثناء، لم تسلم من الشظايا، اذ اقتربت عوائد السندات اليابانية من اعلى مستوياتها منذ عقود. ومع تصاعد التضخم العالمي الناتج عن الحرب، يجد البنك المركزي الياباني نفسه مضطرا الى التخلي عن سياسات التيسير التاريخية. وبينت التقارير ان ذلك يضيف ضغطا اضافيا على السيولة العالمية ويرفع تكلفة الدين في دولة تعد من اكبر حائزي السندات الاميركية في العالم.
تاثير عوائد السندات على اسواق المال
لفهم لماذا يرتجف العالم عند ارتفاع عوائد السندات، يجب ادراك العلاقة العكسية بين سعر السند وعائده. واوضحت التقارير ان السندات تعمل كميزان، فعندما يبيع المستثمرون سنداتهم بكثافة كما حدث يوم الاثنين بسبب مخاوف الحرب والتضخم، ينخفض سعر السند في السوق. واضافت انه تلقائيا يرتفع العائد الفائدة الفعلية لتعويض المخاطر وجذب مشترين جدد.
واكدت التقارير ان ارتفاع العائد خبر سيء للعوامل الاتية:
- اعادة تسعير الديون: عوائد السندات الحكومية هي المسطرة التي تقاس عليها جميع القروض الاخرى، فارتفاعها يرفع فورا فوائد الرهن العقاري، وقروض السيارات، وتكلفة تمويل الشركات، مما يخنق الاستهلاك والنمو.
- ضربة لاسواق الاسهم: عندما تمنح سوق السندات عائدا امنا يقترب من 5 في المئة، تفقد الاسهم جاذبيتها، ويسحب المستثمرون سيولتهم من البورصات بحثا عن هذا الربح المضمون. وهو ما يفسر التراجعات الحادة في مؤشرات وول ستريت.
- دوامة العرض والطلب: في الحالة الراهنة، تضطر واشنطن الى طرح كميات هائلة من السندات لتمويل الحرب زيادة العرض. وفي المقابل يتردد المستثمرون في الشراء ضعف الطلب، مما يؤدي الى فشل الاكتتابات واضطرار العوائد الى القفز لمستويات قياسية لجذب السيولة.
في نهاية المطاف، ان ارتفاع العوائد الذي نشهده اليوم ليس مجرد رقم احمر يومض على شاشات التداول، بل هو اعلان صريح من الاسواق بنهاية عصر السيولة الرخيصة. لقد وضعت طوارئ الحرب وضغوط الديون المتراكمة حدا لزمن الاموال السهلة. وما نراه الان هو اعادة تسعير قاسية لكل شيء، من رغيف الخبز الى قروض المنازل... فالاسواق لم تعد تشتري الوعود السياسية، بل باتت تطالب بثمن باهظ مقابل كل دولار تقرضه لواشنطن او لندن. مؤكدة ان فاتورة الحرب تدفع الان من صلب الاستقرار المالي العالمي.
واختتمت التقارير ان السوق ليست معطلة، بل تعمل بدقة، لتخبر العواصم الكبرى ان مخاطر التضخم الجيوسياسي تتفوق على مخاطر النمو. ان عجز السندات عن القيام بدورها التقليدي بوصفها ملاذا امنا رغم بيانات النمو الضعيفة يختصر المشهد: العالم يعيد تسعير الديون بناء على واقع حربي جديد، وواشنطن ولندن وطوكيو جميعا في مركب واحد يواجه امواجا تضخمية عاتية.







