لماذا يبيع المستثمرون الذهب في خضم الازمات؟
بعد سلسلة ارتفاعات قياسية جعلت الذهب والفضة في صدارة المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع قوية وتسارعا في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.
في يوم "الخميس الاسود"، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، إذ هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولارا للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط، وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلة أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاما، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للازمات الجيوسياسية.
ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر، ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعا بأكثر من 5 في المائة في ، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل الازمات.
توقعات التضخم وتأثيرها على أسعار الذهب
ولكن لماذا تنهار "الملاذات الآمنة" في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟
أوضح محللون أن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية، فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الازمات إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.
كشفت المصارف المركزية هذا الأسبوع أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع "تكلفة الفرصة البديلة" لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائدا، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلا ثابتا ومغريا في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.
تخارج الصناديق الاستثمارية وتأثيره على الذهب
لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال "نبض الشارع الاستثماري" المتمثل في المستثمرين الأفراد، فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجا صافيا للمستثمرين من صندوق "إس بي دي آر غولد شيرز"، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين، ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في "التحول النفسي" وليس في الرقم ذاته، وفق "وول ستريت جورنال".
أضاف محللون أن هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولا جذريا في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذا لا يقهر، فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات معينة في يناير، بدأ يدرك أن الذهب بات "ضحية" لتوقعات التضخم بدلا من أن يكون وسيلة للتحوط ضده، هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون "تسييل" مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائدا ثابتا، مما يضع ضغوطا إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.
البيع الاضطراري وتأثيره على أسعار الذهب
يرى محللون أن جزءا كبيرا من هذا التخارج الصافي ليس ناتجا عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة "حاجة ماسة للسيولة" في أسواق أخرى متعثرة، فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ"حصالة طوارئ" لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات "هامش الربح" من قبل الوسطاء، هذا النوع من "البيع القسري" يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.
دور المؤسسات الكبرى والبنوك المركزية
بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد، ففي الكواليس، بدأت "الأموال الذكية" - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير، ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ"تسييل الأرباح" وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات "هامش الربح"، وبحسب خبراء السلع في "ستاندرد تشارترد"، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخيا.
في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازنا، فوفقا لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس، استمر "بنك الشعب الصيني" في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طنا في فبراير وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد، ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى "تنويع الاحتياطيات" وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصا في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت الازمات.
توسع قاعدة المشترين وتأثيره على سوق الذهب
أضاف محللون أن المشتريات لم تعد مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ، فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013، كما سجل "بنك ماليزيا" أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات، هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ"فرصة شراء" لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.
بين محللون أنه رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج "الانتظار والترقب" في الأشهر المقبلة، فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلا من زيادة حيازاتها من الذهب، ومع ذلك، يظل التوقع العام هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر "أرضية صلبة" تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.
أشار محللون إلى أنه لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي، كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي، فرغم إغلاق مضايق تعد شريانا حيويا، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى "تدمير الطلب"، مما جعل التحوط بالمعادن خيارا أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.







