الصين تضحي بالنمو من اجل السيادة التكنولوجية

{title}
راصد الإخباري -

أعلنت الصين عن هدف للنمو الاقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 بالمئة خلال العام الجاري. وأظهرت البيانات أن هذا المستوى هو الأكثر تواضعا منذ عام 1991. وأوضحت التقارير أن هذا التراجع يعكس تضحية مدروسة ببريق معدلات النمو المرتفعة.

وبينت الصين أن ذلك يأتي في مقابل رهان وجودي على السيادة التكنولوجية. وأشارت التقارير إلى أنه في ظل تصاعد حدة التنافس مع الولايات المتحدة والضغوط الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وأكدت الصين أن صناع القرار قرروا استبدال محركات النمو التقليدية المعتمدة على العقارات بقوى إنتاجية جديدة ترتكز على الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطب الحيوي.

وبينما يترقب العالم مؤشرات التعافي الصيني. كشفت الصين أنها تغلق الباب أمام نموذجها التنموي القائم على الديون. وأضافت أنها تسعى لفتح بوابة عصر جديد لتحصين أمنها القومي من خلال الاكتفاء الذاتي التقني. حتى وإن كان الثمن هو الدخول في مرحلة النمو البطيء غير المسبوقة منذ ثلاثة عقود.

النمو الاقتصادي الصيني

ويعتبر هذا الهدف الأدنى منذ تسعينات القرن الماضي على الأقل. ويأتي بعد ثلاث سنوات دعا فيها المسؤولون إلى نمو نحو 5 بالمئة. وإذا نما الاقتصاد الصيني بوتيرة أقل من 5 بالمئة هذا العام. فسيكون هذا أبطأ نمو تسجله البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود. باستثناء فترة جائحة كوفيد 19.

وقد نشرت هذه التفاصيل خلال أكبر تجمع سياسي في الصين. بالتزامن مع الكشف عن بعض تفاصيل الخطة الخمسية الخامسة عشرة لثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وأعلنت الصين أن ناتجها المحلي الإجمالي نما بنسبة 5 بالمئة بالقيمة الحقيقية. العام الماضي. محققا هدفها الرسمي. رغم تجدد الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.

الخطة الخمسية الصينية

ويمنح هدف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 الأقل طموحا للنمو. القادة الصينيين هامشا من المرونة لإدارة الاقتصاد في ظل ظروف جيوسياسية معقدة. تشمل الصراع في الشرق الأوسط وتهديدات المزيد من الضغوط التجارية مع مواصلة السعي لتحقيق هدف بكين الاستراتيجي المتمثل في الاكتفاء الذاتي التكنولوجي.

ومع تحقيق فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار. بات نمو الصين يعتمد بشكل متزايد على الصادرات. مما أدى إلى اختلال التوازن العالمي الذي أثار انتقادات من شركائها التجاريين ومؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي. ووفقا لبيانات حكومية. فقد ساهمت الصادرات في دفع عجلة التوسع الاقتصادي الصيني في عام 2025 إلى مستوى لم تشهده البلاد منذ عام 1997.

وفي خطتها الاستراتيجية الخامسة عشرة. راهنت الصين على أن التكنولوجيا محرك المرحلة التالية من تنميتها. رغم الضغوط الهيكلية المتزايدة. وتعكس هذه الأهداف رؤية الرئيس شي جينبينغ لتطوير قوى إنتاجية جديدة للخروج من فخ الدخل المتوسط ومواجهة التراجع الديموغرافي وتعزيز الاكتفاء الذاتي لحماية الصين من قيود التصدير الأميركية.

التجارة الحرة والقيود

وفي افتتاح الدورة. أشاد رئيس الوزراء لي تشيانغ بقدرة الصين على الصمود أمام زيادات الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب. لكنه قال إن التعددية والتجارة الحرة مهددتان بشدة. معلنا عن زيادات بنسبة 7 بالمئة في ميزانية الدفاع وكذلك في البحث والتطوير.

وأقر لي بوجود اختلال حاد بين العرض القوي والطلب الضعيف ومخاطر تفاقم أزمة قطاع العقارات وارتفاع ديون الحكومات المحلية.

وكما كان متوقعا على نطاق واسع. تعهدت الخطة الخمسية أيضا بزيادة ملحوظة في استهلاك الأسر. مما أدى إلى انخفاض التوقعات بشأن إصلاحات جانب الطلب.

السيطرة على سلاسل التوريد

وأظهرت المناوشات التجارية التي جرت العام الماضي مع إدارة ترمب والتي تصاعدت لفترة وجيزة إلى حد فرض رسوم جمركية باهظة أهمية هيمنتها على سلاسل التوريد كوسيلة ضغط.

وتعهدت الصين بالحفاظ على تفوقها التنافسي في مجال العناصر الأرضية النادرة. ولا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها على بعد سنوات من التخلص من اعتمادهم على الصين في هذه المواد الحيوية لكل شيء بدءا من رقائق الذكاء الاصطناعي وصولا إلى أنظمة الدفاع.

وقال فريد نيومان كبير الاقتصاديين الآسيويين في بنك إتش إس بي سي لا تزال الحكومة الصينية تركز تركيزا شديدا على تحفيز الاختراقات التكنولوجية والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة ويرجع ذلك جزئيا إلى التنافس مع الولايات المتحدة للسيطرة على تقنيات المستقبل.

الاستثمار في التكنولوجيا

وأضاف لذلك قد يشعر العديد من المراقبين الدوليين بخيبة أمل إزاء بطء وتيرة إعادة التوازن الاقتصادي من الاستثمار إلى الاستهلاك.

وتستثمر الصين 20 نقطة مئوية من ناتجها المحلي الإجمالي أكثر من المتوسط العالمي بينما تنفق أسرها ما يقارب 20 نقطة مئوية أقل وهو نموذج تنموي تسيطر عليه الدولة ويعتمد على الديون ويقول المحللون إنه يخلق فائضا في الطاقة الإنتاجية الصناعية ويؤجج التوترات التجارية في الخارج والضغوط الانكماشية في الداخل.

وأضاف نيومان إن التحدي الذي يواجه الصين في إعادة التوازن والذي سيستغرق سنوات لتحقيقه يقر ضمنيا بانخفاض هدف النمو للعام المقبل.

الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي

وتهدف الخطة الخمسية إلى رفع القيمة المضافة لقطاعات الاقتصاد الرقمي الأساسية إلى 12.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وتطبيق سياسات جديدة لإنشاء سوق بيانات وطنية متكاملة وتبني الذكاء الاصطناعي في جميع مراحل سلسلة التوريد ونظام أمني قائم على الذكاء الاصطناعي.

وتشمل الطموحات مجالات الطب الحيوي وتكنولوجيا الكم والتصنيع على المستوى الذري ومجموعات الحوسبة فائقة السرعة والاندماج النووي وواجهات الدماغ والحاسوب وحتى تسويق الروبوتات البشرية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي.

ويقول آندي جي محلل أسعار الصرف وأسعار الفائدة الآسيوية في شركة آي تي سي ماركتس تسعى بكين إلى تحقيق نمو تدريجي مدروس مع بناء اقتصاد جديد قائم على التكنولوجيا بدلا من العقارات ويضيف إنها عملية إعادة توازن محفوفة بالمخاطر حيث تراهن الحكومة بكل شيء على الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

الشركات المملوكة للدولة

وقد تم إشراك الشركات المملوكة للدولة لخلق طلب على أشباه الموصلات والطائرات من دون طيار المصنعة في الصين وتشيير الخطة المكونة من 141 صفحة إلى الذكاء الاصطناعي أكثر من 50 مرة وتتصور روبوتات تسد النقص في العمالة ومصانع تعمل بأقل قدر من الإشراف البشري وتستند الخطة إلى عام حافل بالإنجازات للمطورين الصينيين بقيادة شركة ديب سيك الذين قلصوا الفجوة بسرعة مع الشركات الأميركية الرائدة مثل أوبن إيه آي وجيميني.

لكن الخطة الخمسية تتضمن أيضا طموحات أكبر في المجالات التي تهيمن عليها الصين بالفعل فهي تستحوذ على 85 بالمئة من محطات شحن السيارات الكهربائية في العالم ومع ذلك تهدف إلى مضاعفة عددها في غضون ثلاث سنوات.

ويقول الاقتصاديون إن هدف النمو المنخفض يسمح لبكين بتجربة خفض الطاقة الإنتاجية الفائضة في الصناعات ذات القيمة المضافة المنخفضة لكنهم حذروا من أن هذا قد يؤدي إلى نتائج عكسية ولا يعني ذلك خروجا عن نموذج النمو القائم على الإنتاج.

الرقابة على الإنفاق الحكومي

كما بدا أن بكين تلمح إلى تشديد الرقابة على إنفاق الحكومات المحلية الذي وجه جزء منه إلى مشاريع بنية تحتية غير منتجة محذرة من أن العديد من المسؤولين لديهم فهم خاطئ لمعنى الأداء الجيد.

ويبشر قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء بعض تعريفات ترمب الجمركية والتوقعات بأن اجتماعا بين رئيسي البلدين قد يساهم في استقرار العلاقات على المدى القصير بإجراء مثل هذه التعديلات.

وقال دان وانغ مدير الصين في مجموعة أوراسيا إن بكين بدت وكأنها تستغل الهدنة التجارية لامتصاص ضغوط سوق العمل الناجمة عن أي قيود إنتاجية.

التحفيز الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية

وعلى صعيد التحفيز الاقتصادي تخطط الصين لعجز في الموازنة بنسبة 4.0 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وحددت حصصا خاصة لإصدار الديون بقيمة 1.3 تريليون يوان للحكومة المركزية و4.4 تريليون يوان للسلطات المحلية وهي جميعها دون تغيير عن العام الماضي.

وتعهدت الصين برفع الحد الأدنى للمعاشات التقاعدية الشهرية بمقدار 20 يوانا للفرد ودعم التأمين الصحي الأساسي لسكان الريف غير العاملين بمقدار 24 يوانا وهي خطوات هامشية وليست هيكلية وأعلنت رغبتها في زيادة الإنفاق على التعليم ودعم رعاية الأطفال وإصلاح المستشفيات العامة معترفة بالتراجع الديموغرافي.

وحذر يوان يويوي مدير صندوق الاستثمار في شركة ترينيتي سينرجي للاستثمار من أن أهداف النمو والسياسة الصينية لهذا العام لا تأخذ في الحسبان الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران وقال يوان هذا أمر سلبي للغاية بالنسبة للصين التي تعتبر مضيق هرمز ممرا تجاريا حيويا.