واشنطن وطهران في اختبار قوة بمضيق هرمز
يظهر التاريخ العسكري أن الحصارات البحرية تتطلب صبرا طويلا، وهذا ليس من الميزات التي يتمتع بها صناع القرار في واشنطن.
عندما فرض الرئيس دونالد ترمب حصارا على الموانئ الايرانية في ابريل (نيسان) 2026، لم تكن النتيجة السريعة التي كان يسعى اليها، وهي اعادة فتح مضيق هرمز امام الملاحة التجارية، ممكنة التحقيق، ويقول خبراء عسكريون إن انهاك الخصم عبر الحصار قد يستغرق اشهرا أو حتى سنوات، وبالتأكيد ليس بضعة اسابيع.
كان لدى ايران، التي تمتلك الاف الاميال من الحدود البرية مع 7 دول مجاورة، وشريانا تجاريا يصلها بحليفتها روسيا عبر بحر قزوين، بدائل متعددة، ولذلك استمرت المواجهة.
قال مايكل كونيل، المتخصص في الشؤون العسكرية الايرانية بمركز التحليلات البحرية في فرجينيا، إنه من الصعب اخضاع خصم بسرعة عبر الحصار، وإنه نوع من الأساليب التي تنجح بمرور الوقت، لكنه ليس حلا سريعا.
الآن، مع ظهور مؤشرات على اقتراب الولايات المتحدة وايران من اتفاق سلام، اصبح رفع الحصار الاميركي واعادة فتح المضيق من بين الاولويات القصوى، واذا تم التوصل الى اتفاق، فسينهي ذلك واحدة من اكثر المواجهات البحرية غرابة في العصر الحديث، وهي حالة جمود متوترة، ليست سلاما ولا حربا شاملة، بين خصمين غير متكافئين، استخدم كل منهما اوراق ضغطه في البحر.
وقد اتسمت هذه المواجهة بنمط صراع اصبح مالوفا في عصر الاضطرابات التكنولوجية، قدرة الزوارق السريعة والطائرات المسيرة والالغام والصواريخ الايرانية على ردع ترسانة الولايات المتحدة من حاملات الطائرات النووية والمقاتلات المتطورة، التي تضم اطقم بشرية بحجم بلدات صغيرة.
كما سلط الجمود البحري الضوء على حقيقة قديمة في الحروب، وهي أنه من الصعب تحقيق نصر سريع دون السيطرة على اراض على اليابسة، فالمواجهة البحرية تمثل محاولة لخنق اقتصادي وتجاري عبر البحر، تبدو ظاهريا بلا دماء، لكنها تنطوي على تكاليف ومخاطر خفية للطرفين.
في هذا السياق، شدد الاميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الاميركية المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الاوسط (سنتكوم)، على قيمة الضغط الاقتصادي، خلال شهادته امام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الاسبوع الماضي.
وبين أنه لم يكن هناك أي تبادل تجاري من والى الموانئ الايرانية، مضيفا ان ذلك يضغط اقتصاديا على ايران، ويخلق نفوذا قويا للمفاوضات الجارية.
لكن ايران ايضا قادرة على الحاق اضرار اقتصادية، فاعتماد الاقتصاد العالمي على سلاسل التوريد العالمية يعني ان تعطيل ايران لصادرات مثل الاسمدة والهيليوم، والاهم النفط والغاز، كان له اثر عالمي.
قال مايكل كونيل لقد تحولت المسالة الى صراع ارادات لمعرفة من سيرمش اولا.
ويعد الحصار عملا حربيا بموجب القانون الدولي؛ لذلك يبقى خطر التصعيد، سواء كان مقصودا ام لا، قائما دائما، وقد تجلى ذلك، الاربعاء الماضي، عندما اطلقت ايران 4 طائرات مسيرة هجومية فوق مضيق هرمز، بينما نفذ الجيش الاميركي غارات جوية على محطة تحكم ارضية للطائرات المسيرة في مدينة بندر عباس الساحلية.
وكانت تلك المرة الثانية خلال 3 ايام التي تنفذ فيها القوات الاميركية ضربات في جنوب ايران، بما في ذلك ضد قوارب ايرانية حاولت زرع الغام.
ويتلقى ضباط البحرية الاميركية على متن السفن الحربية تدريبات متكررة على مثل هذه التحذيرات، مع تذكير دائم بما حدث خلال الحرب الايرانية - العراقية عام 1988، حين ادت سلسلة من الاخطاء الى اعتقاد طراد اميركي ان رحلة تجارية ايرانية كانت طائرة مقاتلة معادية، فاسقطت فوق هرمز؛ مما ادى الى مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 290 شخصا.
تفرض الحرب البحرية اعباء كبيرة، فبالنسبة لايران، يشكل تقييد تدفق السلع من والى البلاد ضغطا هائلا على اقتصاد كان يعاني اصلا حتى قبل اندلاع الحرب، رغم وجود مسارات تجارية بديلة.
اما بالنسبة للولايات المتحدة، فان ارسال السفن للدوريات في مياه بعيدة عن الوطن لا يكلف كثيرا فحسب، بل يرهق السفن والاطقم ايضا، فعلى سبيل المثال، عادت حاملة الطائرات جيرالد فورد هذا الشهر بصعوبة بعد 10 اشهر شاقة في شمال الاطلسي والبحر المتوسط والكاريبي والبحر الاحمر، ما اظهر كيف يمكن للاستهلاك والتآكل ان يفرضا تكاليف على قوة عظمى توسع انتشارها اكثر من اللازم.
قال مايك فرانكن، نائب الاميرال المتقاعد الذي قاد سابقا سرب مدمرات، إن البحرية الاميركية قادرة على انجاز امور مذهلة لفترات مذهلة، لكن الامور تبدأ بالتآكل على الاطراف، وقد كنا نعمل بوتيرة عملياتية مرتفعة جدا.
هناك ايضا فرص استراتيجية ضائعة، فالسفن المستخدمة في حصار ايران، وكذلك البحارة الذين يشغلونها، لا يمكن استخدامهم في مهام اخرى، وقد شكلت زيارة ترمب الاخيرة الى الصين تذكيرا بان شرق اسيا لا يزال منطقة ذات اهمية استراتيجية، حيث تعتمد دول حليفة مثل كوريا الجنوبية واليابان، وخصوصا تايوان، بدرجات متفاوتة على الردع البحري الاميركي.
اخيرا، فان وجود خصمين في حالة توتر ثابتة يخلق خطر التصعيد غير المقصود، نتيجة سوء تقدير نابع من القلق أو الارتباك أو فقدان التركيز.
قالت القيادة المركزية الاميركية، هذا الاسبوع، إنها اعادت توجيه 111 سفينة تجارية، وعطلت حتى الان 4 سفن كانت متجهة الى الموانئ الايرانية، كما هاجمت القوات الايرانية مدمرات اميركية مزودة بصواريخ موجهة خلال عبورها مضيق هرمز باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة وقوارب صغيرة، واكدت القيادة المركزية ان السفن الاميركية صدت الهجوم بنجاح، كما اطلقت ايران النار على سفن من دول اخرى حاولت عبور المضيق؛ ما تسبب في بعض الاضرار.
تشارك نحو 20 سفينة حربية اميركية في الحصار، بما في ذلك حاملتا الطائرات جورج بوش وابراهام لنكولن، اضافة الى مدمرات صاروخية، وسفن انزال، وسفن قتال ساحلي، وكاسحات الغام، وسفن تموين وامداد؛ للحفاظ على جاهزيتها القتالية.
من السوابق المشابهة للجمود الحالي في مضيق هرمز ما عرف بـحرب الناقلات في ثمانينات القرن الماضي، حين امتدت الحرب بين ايران والعراق الى الخليج العربي، ورغم ان الولايات المتحدة لم تكن طرفا مباشرا في القتال، فانها انجرت الى النزاع عندما بدات بمرافقة ناقلات النفط المدنية عبر المضيق؛ ما ادى في النهاية الى ماساة اسقاط الطائرة الايرانية المدنية.
واذا استمرت المواجهة الحالية، فان لهذه الاستراتيجية تكاليف مباشرة تتمثل في تزويد السفن الموجودة في المنطقة بالغذاء والوقود والذخيرة، اضافة الى الحاجة الى ابقاء الطائرات المسيرة والمروحيات والمقاتلات وطائرات الاستطلاع في الجو باستمرار، كما يحصل البحارة ومشاة البحرية والطيارون على بدلات مخاطر قتالية.
اما بالنسبة للبحارة، فان الجمع بين فترات طويلة من الملل تتخللها لحظات توتر وضغط قد يكون مرهقا للغاية.
قال اندرو لامبرت، استاذ التاريخ البحري في كلية كينغز، إن الحصار امر ممل جدا، وانت فقط تبقى منتظرا حدوث شيء ما.
قال جيمس ار. هولمز، رئيس قسم الاستراتيجية البحرية في الكلية الحربية البحرية، إن هناك تاثيرات متسلسلة ناتجة عن ابقاء اعداد كبيرة من الاصول العسكرية في مواقعها لفترات طويلة.
واشار الى الانتشار الطويل لحاملة الطائرات جيرالد فورد، وافترض ان الحاملة قد تواجه مشكلات هندسية غير متوقعة في اثناء الصيانة، وخلال وجودها في البحر، تعرضت السفينة لاعطال ميكانيكية في معدات اطلاق واستعادة الطائرات على سطح الطيران، كما دمر حريق كبير منطقة نوم لمئات البحارة، وظهرت شكاوى بشان نقص الغذاء وتاخر البريد؛ ما ادى الى تراجع المعنويات.
اضاف هولمز ان الولايات المتحدة ستجد صعوبة في اعادة فتح التجارة عبر المضيق دون التوصل الى تفاهم مع ايران، قائلا كما تحتاج اليه ايران للحفاظ على قبضتها على المضيق هو عدد كاف من اسطولها الصغير، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيرة الساحلية، لابقاء شركات الشحن وشركات التامين في حالة توتر، ونادرا ما تنجح اي حملة عسكرية في نزع سلاح الخصم بالكامل ما لم يحدث تغيير للنظام.
اما لامبرت، استاذ كلية كينغز، فقال إن التكاليف ستستمر في الارتفاع كلما طال امد المواجهة، لانه شيئا عنيفا على نطاق واسع لا يحدث حاليا، فان اغراء ترك الوضع يستمر يمثل مشكلة حقيقية.







