حرب ايران: ازمة الطاقة تتحول لازمة غذاء عالمية

{title}
راصد الإخباري -

تتضح ملامح الازمة الراهنة في الغذاء قبل ان تظهر في اسواق الطاقة. اذ تتسارع وتيرة ارتفاع اسعار السلع الاساسية في اقتصادات الجنوب العالمي. وتتضاءل القدرة الشرائية للاسر منخفضة الدخل. وتتزايد الضغوط المعيشية على الفئات الاكثر هشاشة. مما يعيد الى الواجهة مخاطر انعدام الامن الغذائي. وتشير تقديرات رويترز الى ان اسعار الاسمدة قفزت بنسبة بين 30% و40% منذ اندلاع الحرب في ايران.

يحدث هذا في وقت لم يشهد فيه الانتاج الزراعي العالمي اضطرابا مباشرا. وهو ما يجعل الازمة اكثر تعقيدا من مجرد صدمة في العرض.

لا تتحول ازمة الطاقة الى ازمة غذاء عبر الحقول. بل عبر البنية التحتية للانتاج. حيث تنقل الطاقة صدمتها الى الاسمدة. ثم الى الانتاج. ثم الى الاسعار.

انتقال صدمة الطاقة الى صميم النظام الغذائي العالمي

وتعكس هذه المفارقة تحولا في طبيعة الصدمة. اذ لا تستهدف الحرب في ايران البنية الانتاجية للغذاء بشكل مباشر. بل تضرب الاسس العميقة التي يقوم عليها هذا الانتاج. وتضغط على اسواق الطاقة. فتقود الى ارتفاع تكاليف التشغيل عبر مراحل السلسلة الزراعية. وتقيد تدفقات الاسمدة التي تمثل ركيزة اساسية للانتاجية. وتربك شبكات النقل والتجارة العالمية. فتتسلسل الاثار عبر حلقات مترابطة من المدخلات الى الانتاج ثم التوزيع.

وبفعل هذا الترابط البنيوي. تنتقل الصدمة تدريجيا من قطاع الى اخر. لتعيد تشكيل هيكل التكاليف عالميا. قبل ان تنعكس في النهاية على اسعار الغذاء التي يتحملها المستهلك.

قال تقرير نشر اليوم ان الحرب تدفع اسعار النفط والغاز الى مستويات مرتفعة. اذ تتجاوز اسعار النفط 100 دولار للبرميل. وفق ما اوردته تقارير دولية بينها الغارديان. في انعكاس مباشر لتقييد الامدادات وارتفاع المخاطر الجيوسياسية.

هرمز.. اختناق الطاقة والغذاء

وتمتد اثار هذه الزيادة الى القطاع الزراعي. حيث تعتمد المنظومة الغذائية الحديثة اعتمادا على الطاقة في مراحلها المختلفة.

اوضح التقرير ان الطاقة تشغل الالات الزراعية. وتغذي انظمة الري. وتدخل بوصفها مكونا رئيسيا في تصنيع الاسمدة. كما تتحكم في تكاليف النقل والتخزين والتوزيع.

تشير رويترز الى ان الطاقة تمثل ما يصل الى 70% من تكلفة انتاج الاسمدة. ما يجعل اي اضطراب في اسواقها يتحول مباشرة الى ضغط على مدخلات الانتاج الزراعي.

صدمة الاسمدة والانتاج الزراعي

يدفع هذا الترابط الهيكلي تكاليف الانتاج الزراعي الى الارتفاع. وتترجم سريعا الى زيادات في اسعار الغذاء عبر سلسلة مترابطة من التاثيرات. ولا تعكس هذه الديناميكية اختلالا في توازن العرض والطلب. بقدر ما تعبر عن انتقال منظم للضغط من قطاع الطاقة الى النظام الغذائي.

بينت التقارير ان العالم ينظر الى مضيق هرمز كعنق زجاجة للطاقة. اذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز المسال عالميا. وفق رويترز. غير ان الحرب تكشف وظيفة اكثر تركيبا لهذا الممر الحيوي ضمن البنية الاقتصادية العالمية.

اضاف التقرير ان المضيق ينقل قرابة ثلث تجارة الاسمدة العالمية. وفق بيانات منظمة الاغذية والزراعة. ما يمنحه دورا يتجاوز الطاقة الى صميم النظام الغذائي.

اعادة تشكيل التجارة الغذائية

قال مسؤول اليوم ان تعطل هذا المسار بفعل التصعيد العسكري واغلاقه شبه الكامل يؤدي الى تقييد تدفقات مزدوجة التاثير: الطاقة من جهة ومدخلات الانتاج الزراعي من جهة اخرى.

تشير تقارير رويترز الى ان الضربات التي طالت منشات الطاقة في الخليج ادت الى وقف او خفض الانتاج في عدد من المصانع. بما في ذلك مرافق الاسمدة المعتمدة على الغاز الطبيعي. ما يعيد تموضع هرمز كنقطة اختناق تربط بين امن الطاقة واستقرار الامدادات الغذائية.

بينت مصادر مطلعة ان ازمة الاسمدة تفرض نفسها كالمسار الاكثر حساسية في انتقال الصدمة. اذ لا تقتصر تداعياتها على الاسعار. بل تمتد الى تهديد كميات الانتاج الزراعي مستقبلا.

انكشاف الاقتصادات الناشئة امام الصدمة المركبة

ترتفع اسعار اليوريا الى اكثر من 700 دولار للطن مقارنة باقل من 500 دولار قبل الحرب. وفق بيانات ارغوس التي نقلتها رويترز. فيما تشير تقديرات بنك اوف اميركا الى ان ما بين 65% و70% من الامدادات العالمية مهددة بالاضطراب.

تدفع هذه التطورات المنتجين الزراعيين الى تقليص استخدام الاسمدة. ما ينعكس مباشرة على الانتاجية.

يحذر ماكسيمو توريرو كبير الاقتصاديين في منظمة الاغذية والزراعة من ان هذا المسار سيؤدي الى تراجع انتاج الحبوب والاعلاف. بما يمتد اثره الى سلاسل اللحوم ومنتجات الالبان.

تصاعد مخاطر الاضطراب الاقتصادي المركب

تؤدي الحرب الى تعطيل مسارات الشحن البحري ورفع تكاليف التامين والنقل. حيث تشير تقارير سوقية الى ارتفاع اقساط التامين البحري وتراجع حركة السفن في الخليج مع تصاعد المخاطر الامنية.

تعيد شركات الشحن توجيه مساراتها لتفادي مناطق التوتر. ما يطيل زمن الرحلات ويرفع الكلفة التشغيلية. ويؤدي الى اختلال كفاءة تدفق السلع الاساسية عبر الاسواق العالمية.

تنعكس هذه الاضطرابات مباشرة على الدول المعتمدة على الواردات. لا سيما في الشرق الاوسط واسيا وافريقيا. حيث تعتمد هذه الاقتصادات على التدفقات الخارجية لتامين الحبوب والاسمدة.

تتحمل الاقتصادات الناشئة العبء الاكبر لهذه الصدمة متعددة القنوات. نظرا لارتفاع الوزن النسبي للغذاء والطاقة ضمن سلة الاستهلاك. حيث تتراوح مساهمتهما بين 30% و50%. وفق تقديرات موديز.

تعتمد دول مثل بنغلاديش وكينيا وباكستان والصومال على واردات الاسمدة من الخليج. وتفتقر الى مخزونات استراتيجية كافية. بينما تشير بيانات منظمة الاغذية والزراعة الى ارتفاع تكاليف الاسمدة في كينيا بنحو 40%.

تحذر اوديل رينو باسو رئيسة البنك الاوروبي لاعادة الاعمار والتنمية من ان الازمة قد يكون لها تاثير كبير على اسعار الغذاء. فيما تؤكد موديز ان هذه الاقتصادات تبقى عرضة لتقلبات خارجية حادة.

تعيد الازمة الحالية احياء العلاقة بين ارتفاع اسعار الغذاء والاضطرابات الاجتماعية. خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على سياسات دعم للحفاظ على الاستقرار.

تؤثر الصدمة كذلك على مسارات السياسات النقدية. حيث تدفع الضغوط التضخمية البنوك المركزية الى التريث في خفض اسعار الفائدة. ما يقيد النمو الاقتصادي.

تتداخل هذه التاثيرات مع تحولات اضافية. اذ يؤدي ارتفاع اسعار الطاقة الى اعادة توجيه جزء من الانتاج الزراعي نحو الوقود الحيوي. ما يقلص الامدادات الغذائية.