الحرب على ايران تهدد تجارة المعادن الثمينة في الخليج
تؤكد الحرب على ايران وما رافقها من اضطراب في الملاحة الجوية والبحرية ان تداعيات الصراع لا تقتصر على النفط والغاز فقط. بل تمتد ايضا الى تجارة الذهب والفضة والمعادن الثمينة. وتعتبر هذه التجارة تعتمد بدرجة كبيرة على الممرات الجوية السريعة والموانئ الحرة ومراكز التكرير واعادة التصدير في المنطقة وعلى راسها دبي.
ومع اتساع نطاق الاضطراب في المجالين الجوي والبحري في الخليج بدات تظهر مؤشرات مباشرة على تعطل تدفقات المعادن النفيسة عبر احد اهم مراكز التجارة العالمية. فالمعادن الثمينة لا تتحرك فقط بين المناجم والاسواق. بل عبر منظومة معقدة تشمل الشحن الجوي والتامين والتمويل والتكرير واعادة التصدير مما يجعل اي اضطراب في هذه الشبكة كفيلا باحداث اختناقات في التجارة العالمية.
في هذا السياق افادت تقارير نقلتها وكالة بلومبرغ بان تعطل الرحلات من والى الامارات ادى الى توقف شحنات من الذهب والفضة عبر دبي. في حين اضطر بعض المتعاملين الى بيع ذهب عالق في الامارة بخصومات مقارنة باسعار المراكز العالمية.
تاثير الحرب على اسعار الذهب
كما اشارت تقارير الى ان الذهب المتداول في دبي بيع بخصومات تراوحت بين 10 دولارات و30 دولارا للاوقية مقارنة بلندن نتيجة صعوبة نقل الشحنات الى مراكز التكرير في سويسرا والهند وهونغ كونغ.
كما اظهرت بيانات موقع تتبع الطيران فلايت رادار 24 ان الحرب ادت الى تعطل الاف الرحلات الجوية عالميا منذ بداية الضربات الاميركية الاسرائيلية على ايران. وهو ما انعكس على نقل المعادن الثمينة التي غالبا ما تشحن في عنابر طائرات الركاب بسبب ارتفاع قيمتها مقارنة بوزنها.
ووفقا لتحليل اجرته بلومبرغ ايكونوميكس فان المخاطر الاقتصادية للحرب على ايران لا تقتصر على النفط والغاز فقط. اذ ان نحو 7% من صادرات الاسمدة العالمية ونحو 6% من المعادن الثمينة و5.3% من الالومنيوم ومنتجاته اضافة الى 4.4% من الاسمنت والمعادن غير المعدنية الاخرى التي تشحن عبر موانئ الخليج اصبحت معرضة لخطر التعطل.
تجارة المعادن النفيسة في الخليج
مع تنامي دور دول الخليج في العقدين الاخيرين اصبحت احد اهم مراكز التجارة الدولية. ويبرز دور الامارات العربية المتحدة في هذا السياق بوصفها مركزا عالميا لتجارة الذهب والمعادن الثمينة.
فبحسب مركز دبي للسلع المتعددة بلغت تجارة الامارات الخارجية في الذهب والمعادن الثمينة نحو 625 مليار درهم نحو 170 مليار دولار عام 2024. بزيادة تقارب 27% على اساس سنوي ما يجعل دبي ثاني اكبر مركز عالمي لتجارة الذهب المادي بعد سويسرا. كما تضم منظومة المركز اكثر من 1500 شركة تعمل في تجارة الذهب والمعادن الثمينة والاحجار الكريمة.
وتظهر بيانات مصرف الامارات المركزي ثقل الذهب في التجارة غير النفطية للدولة. اذ شكل 48.6% من الصادرات غير النفطية في الاشهر التسعة الاولى من عام 2024. بينما اضافت المجوهرات نحو 4.6% اخرى ليشكل الذهب والمجوهرات معا اكثر من نصف الصادرات غير النفطية الاماراتية.
صادرات وواردات المعادن الثمينة
كما تشير بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي OEC لعام 2024 الى ان صادرات دول الخليج المرتبطة بفئة الاحجار والمعادن الثمينة واللؤلؤ والمعادن النفيسة بلغت في مجموعها نحو 80 مليار دولار. مقابل واردات تقارب 76.9 مليار دولار.
وتستحوذ الامارات على الكتلة الاكبر من هذه التجارة اذ بلغت صادراتها في هذه الفئة نحو 76.1 مليار دولار ووارداتها 62.3 مليار دولار. كما صدرت الدولة نحو 58.7 مليار دولار من الذهب و4.92 مليارات دولار من المجوهرات في العام نفسه.
اما بقية دول الخليج فتظل مساهمتها اقل حجما. فقد بلغت صادرات السعودية من المعادن الثمينة نحو 2.73 مليار دولار وقطر 526 مليون دولار والبحرين 374 مليون دولار والكويت 292 مليون دولار بينما بقيت صادرات عمان من خامات المعادن الثمينة محدودة للغاية.
وعلى مستوى الحصة من التجارة العالمية تمثل الامارات وحدها نحو 8.35% من الصادرات العالمية في فئة الاحجار والمعادن الثمينة واللؤلؤ. بينما تبلغ حصة السعودية نحو 0.3% وقطر 0.058% والبحرين 0.041% والكويت 0.032%. وباحتساب هذه النسب على نحو تقريبي يقترب الخليج من نحو 9% من تدفقات التصدير العالمية المرتبطة بالمعادن الثمينة.
في المقابل تتجه السعودية الى توسيع حضورها في الصناعة المعدنية ضمن استراتيجية تنويع الاقتصاد. فقد اعلنت المملكة عام 2024 توقيع اتفاقيات استثمارية في قطاع التعدين والمعادن بقيمة 9.32 مليارات دولار تشمل مشاريع للصهر والتكرير ومعالجة المعادن المختلفة.
اما قطر فتتحرك على خط الاستثمار في سلاسل امداد المعادن الحيوية. اذ اعلنت هيئة الاستثمار القطرية ضخ 180 مليون دولار في شركة تك مت TechMet المتخصصة في تطوير مشروعات المعادن الحيوية والمعادن الارضية النادرة في خطوة تهدف الى تعزيز حضورها في سلاسل التوريد المرتبطة بالطاقة النظيفة.
الخليج مركزا عالميا تحت الضغط
رغم التحديات التي تفرضها الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران لا يزال الخليج يحتفظ بموقع محوري في تجارة المعادن الثمينة العالمية. اذ تعتمد الاسواق الدولية على البنية التحتية المتطورة في مراكز مثل دبي التي تضم مصافي تكرير واسواقا حرة وشبكات تمويل وتخزين واسعة.
غير ان الحرب اظهرت ان هذه المكانة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الجيوسياسي وسلاسة حركة النقل. فحين تتعطل الطائرات او تضطرب الممرات البحرية تصبح حتى اكبر مراكز تجارة الذهب في العالم معرضة لاختناقات مؤقتة.
ومن هذا المنظور فان تاثير الحرب في الخليج على تجارة المعادن النفيسة لا يقتصر على تقلبات الاسعار او تاخير الشحنات. بل يمتد الى اعادة تسعير المخاطر اللوجستية في احد اهم مفاصل التجارة العالمية لهذه المعادن.







