هل ستسحب الاردن الجنسيه من هؤلاء ؟!!

{title}
راصد الإخباري -
بقلم : توفيق الحجايا

في خضم اضطرابات إقليمية هي الأكثر حدة وتعقيداً منذ عقود، تتصاعد وتيرة الجدل حول سلوكيات المواطنين وتأثيرها المباشر على الأمن الوطني والتماسك المجتمعي، حيث تبرز إشكالية التعامل مع "الأخطاء" الفردية والجماعية التي يمارسها البعض في لحظات تاريخية فارقة، خصوصاً في دول تشهد توترات أمنية أو تعيش في جوار نيران مشتعلة. وفي هذا السياق الدقيق، تظهر خصوصية كل دولة في طريقة تعاملها مع الأحداث الجارية التي ينتجها مواطنيها، سواء كانت تلك الأحداث تجاوزات لفظية أو أفعالاً على الأرض، وذلك وفقاً للقوانين المرعية والثوابت الوطنية التي تحكم مسار الأمور في كل بلد.

ففي منطقة الخليج العربي، شكلت دولة الكويت الشقيقة محطة بارزة في هذا الإطار، حيث كشفت وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي عن قرار حكومي كويتي حازم تمثل في سحب الجنسية من ثلاثة أشخاص، وترحيلهم بعد ذلك إلى ايران. وجاء هذا الإجراء بناءً على اتهامات وجهت لهؤلاء الأشخاص بالاحتفال علناً وايضا بمواقع التواصل الاجتماعي،  بسقوط صواريخ ايرانية على الأراضي الكويتية، وهو ما اعتبرته السلطات مخالفة صريحة للقانون المحلي الذي ينظم أحكام الجنسية، وتجاوزاً خطيراً للثوابت الوطنية التي تفرض على المواطنين تغليب مصلحة وسيادة بلادهم على أي انتماءات أو تعاطفات خارجية. ووفق ما تم تداوله، فإن ترحيل هؤلاء الأشخاص إلى إيران حمل دلالة واضحة، حيث اعتُبر أنهم أرسلوا إلى الدولة التي يتعاطفون معها، في خطوة وصفت بأنها رسالة عملية مفادها أن الكويت لن تسمح لأي كان باستخدام جنسيتها كغطاء للتعبير عن ولاءات لدول أخرى أو للاحتفال بأحداث تمس أمنها واستقرارها، مهما كانت المبررات العاطفية أو الأيديولوجية.

على الجانب الآخر من الخريطة، وفي المشرق العربي، تشهد الساحة الأردنية حالة مختلفة من التجاوزات التي تتوالى هنا وهناك، حيث يسجل مراقبون تصرفات لمواطنين أفراد، بل وأحياناً لبعض الأحزاب أو شخصيات تمثل جهات معينة، وُصفت بأنها مستّ بشكل مباشر الشعور الوطني العام وأثارت حفيظة قطاعات واسعة من الأردنيين، كما أنها لمست خطوطاً حمراء تتعلق بالأمن الوطني. وتعددت هذه التصرفات في الآونة الأخيرة، خاصة مع تصاعد وتيرة الأحداث في الإقليم وسقوط صواريخ وطائرات مسيّرة في أجواء المملكة أو على أراضيها، وهو ما تصدت له القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي بكل كفاءة ويقظة. لكن اللافت كان ظهور ردود فعل فردية غير مسؤولة من قبل بعض المواطنين، عبّر بعضهم عن استهتار واضح بهذه الأحداث، وأظهر آخرون فرحة غير مبررة بسقوط صواريخ على مناطق وصفت بأنها "الداخل المحتل"، في إشارة إلى الأراضي الفلسطينية، معتبرين ذلك انتصاراً للمقاومة دون إدراك خطورة تحويل الأردن إلى ساحة مفتوحة للصراع أو إظهار مشهدية تعكس انقساماً في الولاءات.

هذه المشاعر المتباينة تضعنا أمام إشكالية قانونية وأخلاقية معقدة، فبينما يرى البعض أن الفرح بسقوط صواريخ على العدو المحتل هو موقف عاطفي طبيعي نابع من مشاعر التضامن مع قضية عادلة، فإن القانون والنظام العام ينظران إلى هذه التصرفات من زاوية أخرى ترتبط بالضرر الفعلي أو المحتمل الذي قد تسببه للدولة. فالانتقال من مرحلة "التعاطف" إلى مرحلة "التجريم" له ضوابطه، حيث لا يمكن اعتبار كل موقف عاطفي مخالفة قانونية، لكن الأمر يختلف عندما تتحول هذه المشاعر إلى أفعال علنية، سواء بالاحتفال أو بالكتابة أو بالتصوير غير المصرح به لمواقع حساسة، خاصة إذا كانت هذه الأفعال تعرض البلاد للخطر أو تهدد سمعتها أو تخلق بلبلة في الرأي العام الداخلي.


بل ذهب البعض الى اكثر من ذلك حيث احتفل وصور ونشر على مواقع التواصل الاجتماعي صورا او فيديوهات اوكتابات ايده فيها سقوط الصواريخ الايرانيه على الاراضي الاردنية وعلى بعض المواقع العسكريه.


 وفي هذا السياق، يبرز قانون الجنسية الأردنية رقم 6 لعام 1954 كأحد القوانين المنظمة لهذه المسألة، وتحديداً الفصل الخامس منه والمادة 18 التي تمنح الحكومة صلاحيات واسعة  في التعامل مع الحالات التي تهدد أمن الدولة، وكل ذلك مشروطة بموافقة الملك .

وتنص المادة 18 من القانون المذكور في فقرتها (ج) بوضوح على أنه "لمجلس الوزراء بموافقة الملك أن يعلن فقدان أي أردني جنسيته الأردنية إذا أتى أو حاول عملاً يعد خطراً على أمن الدولة وسلامتها". هذه العبارة القانونية الموجزة تحمل في طياتها إمكانيات تطبيقية واسعة، حيث تترك للسلطة التنفيذية تقدير ماهية "الخطر" الذي يهدد أمن الدولة وسلامتها، استناداً إلى الوقائع والملابسات المحيطة بكل حالة على حدة. وبناءً على هذا النص، فإن أي فعل أو تصرف، سواء كان بالاحتفال بسقوط صواريخ، أو بتصوير مواقع عسكرية أو حساسة ونشرها، أو بالتحريض عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يمس الأمن الوطني أو يعرض البلاد للخطر، يمكن أن يندرج تحت طائلة هذه المادة، ويؤدي نظرياً إلى فقدان الجنسية.

لكن الواقع العملي يشير إلى أن الأردن لم يتجه حتى اللحظة إلى تفعيل هذا البند بشكل واسع أو اتخاذ قرارات سريعة بسحب الجنسيات على غرار ما حدث في الكويت، رغم أن بعض الممارسات والتصرفات التي شهدتها الساحة الأردنية قد ترقى في تقدير الكثيرين إلى مستوى "الخطر" الذي تحدث عنه القانون، بل وربما تزيد عنه في بعض الأحيان.

 هذا التريث الحكومي يمكن تفسيره بعدة عوامل، منها حرص الدولة على ترك مساحة للتعبير عن الرأي، ورغبتها في احتواء المواطنين عبر التوعية والتوجيه قبل اللجوء إلى العقوبات القصوى، بالإضافة إلى اعتمادها على وعي المواطن الأردني كخط دفاع أول في حماية الوطن. ومع ذلك، فإن هذا الوضع من "البحبوحة" أو التسامح النسبي لا يعني أن الباب مغلق إلى الأبد، خاصة في ظل الظروف الإقليمية الملتهبة التي تمر بها المنطقة وحالة الحرب غير المعلنة التي تلف الأجواء من كل اتجاه.

إن ما هو مطلوب من المواطن الكريم في هذه المرحلة الدقيقة هو أن يعي تماماً أن القوانين موجودة لحماية الدولة والمجتمع، وأن عليه أن يكون مطلعاً عليها وعلى حيثياتها، لأن الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية. فالكثير من الأفعال التي قد يراها البعض عادية أو حتى واجبة، مثل التصوير في مناطق غير مصرح بها، أو التعبير عن الفرح بأحداث إقليمية بطريقة غير محسوبة، قد ينظر إليها القانون على أنها تهديد صريح لأمن الدولة، وبالتالي تدخل في نطاق المادة 18 من قانون الجنسية. وفي النهاية، تبقى الخلاصة أن الأردن، رغم أنه لم يضطر بعد لاستخدام هذه الورقة القانونية بشكل واسع، إلا أن السياق الإقليمي المتأزم والمتفجر يفرض على الجميع إعادة حساباتهم، ولا شيء يمنع الدولة إذا استمرت التجاوزات أو تصاعدت، من العودة إلى هذه القوانين وتطبيقها بكل صرامة على كل من يتعدى الخطوط الحمراء أو يقوم بفعل يعرض أمن الوطن والمواطن للخطر، حفاظاً على كيان الدولة ومكتسباتها في خضم هذا المحيط الملتهب.