فحوى منشورات لـ الحبتور وموسى والراشد
راصد الإخباري -
في تطور لافت يعكس حالة التباين والغنى في تحليل المشهد الإقليمي الراهن، نشر الملياردير الإماراتي البارز خلف الحبتور عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي منشورين هامين يعودان لكل من الدبلوماسي المخضرم عمرو موسى الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، والإعلامي السعودي المعروف عبدالرحمن الراشد، وأتبعهما بتعقيب مطول وموسع له، ليخلق بذلك حواراً فكرياً وسياسياً مفتوحاً حول طبيعة الصراع الدائر في المنطقة ومآلاته، وذلك في وقت تشهد فيه المنطقة العربية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق وتحولات جيوسياسية كبرى تضع مستقبلها على المحك.
واستهل الحبتور تعقيبه الذي حمل طابعاً تحليلياً عميقاً ولهجة صريحة ومباشرة بتوجيه تحية تقدير واحترام لعمرو موسى وعبدالرحمن الراشد، واصفاً إياهما بأنهما من الشخصيات العربية التي تحترم تجربتها الطويلة ورأيها، ومشيراً إلى أنه تابع ما كتباه باهتمام بالغ، ليأتي اعترافه الأول في التدوينة مفصلياً حيث قال: "المؤسف أن كلاكما محقّ في جانب كبير مما طرحه"، مما مهد الطريق أمامه لتقديم قراءة تحاول الجمع بين ما يراه صحيحاً في تحليلات الرجلين، وصولاً إلى رؤية شاملة تضع المنطقة العربية أمام مسؤولياتها التاريخية في خضم صراع إقليمي متعدد الأوجه.
وأضاف الحبتور في معرض تحليله أن المشهد الذي تعيشه المنطقة العربية اليوم هو نتاج مشروعين خطيرين يتصارعان على أرضها، واصفاً إياهما بأنهما وجهان لعملة واحدة، حيث تتمثل الأولى في إسرائيل بطموحاتها التوسعية التي لم تخفها يوماً وسعيها الدائم لفرض واقع إقليمي يخدم مصالحها ويكرس تفوقها على حساب الشعوب العربية، في حين يتمثل الوجه الآخر في إيران بمشروعها التوسعي الذي عملت عليه عبر العقود الماضية من خلال دعم وتسليح الميليشيات المسلحة في عدد من الدول العربية والتدخل في شؤونها وزعزعة استقرارها، مؤكداً أن كلا المشروعين أضرا بالعالم العربي بشكل بالغ، وأن كليهما لا يقل خطراً عن الآخر، لافتاً إلى أن المفارقة الكبرى تكمن في أن كل طرف في هذه الحرب يدعي أنه يعمل من أجل تحقيق مستقبل أفضل للشرق الأوسط والعالم العربي، وأنه يسعى إلى إحلال الاستقرار أو حماية المنطقة، لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع أن أياً من هذين المشروعين لم يقدم للعرب أو للشرق الأوسط مبادرة خير واحدة حقيقية يمكن البناء عليها، فكل ما شهدته المنطقة طوال السنوات الماضية كان صراعات ونفوذاً وتدخلاً وصدامات، بينما بقيت الشعوب العربية هي التي تدفع الثمن الأغلى.
واستطرد الحبتور موضحاً أن الدول العربية تجد نفسها اليوم وكأنها بين المطرقة والسندان، بين مشروعين يتصارعان على أرضها وعلى حساب شعوبها وهويتها العربية، واصفاً هذا الواقع بأنه مؤلم وحقيقي لا يمكن إنكاره أو التغاضي عنه، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن المخرج الوحيد من هذا المأزق الخطير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تعاضد عربي حقيقي ووقفة واحدة موحدة وقوة عربية مشتركة تعرف كيف تحمي مصالحها وتفرض احترامها على الجميع، معرباً عن يقينه بأن الحرب الدائرة في المنطقة ستنتهي عاجلاً أم آجلاً، ومؤكداً ثقته في قوة وتماسك دول مجلس التعاون الخليجي وأن أمنها واستقرارها سيظلان عصيين على الانهيار، لكنه لم يخفِ قناعته بأن الأحداث الجارية ستترك أثراً عميقاً في نفوس وذاكرة شعوب المنطقة، أثراً لن يكون من السهل تجاوزه أو نسيانه في المستقبل.
وانتقل الحبتور في جزء لاحق من تدوينته إلى الحديث عن الدروس المستفادة من هذه المرحلة العصيبة، معتبراً أن أهم درس يجب أن نتعلمه هو أن العالم العربي لا يمكنه أبداً أن يضع مصيره في يد أي طرف خارجي، وأن الثقة يجب أن تنحصر أولاً وأخيراً في الذات العربية وقدراتها ووحدتها، مطالباً بأن يكون حوار العرب مع العالم من موقع الندية والاحترام المتبادل وليس من موقع الضعف والتبعية، ومؤكداً على ضرورة التحدث بوضوح وحزم، فالدول العربية ليست ساحة صراع للآخرين ولا ورقة يمكن التلاعب بها في حسابات القوى الكبرى، وتوجه بشكل مباشر إلى الولايات المتحدة بالقول إن عليها أن تختار بوضوح الوقوف مع مصالح الدول العربية في المنطقة، وألا تستمر في سياسة الانحياز الأعمى لإسرائيل على حساب شركائها العرب، لأن استمرار هذا النهج سيؤدي حتماً إلى إضعاف التحالفات القائمة وتهديد المصالح المشتركة التي بنيت على مدى عقود طويلة.
واختتم رجل الأعمال الإماراتي الجزء الأول من رؤيته برسالة قوية مفادها أن الدول في العلاقات الدولية تحترم القوة فقط، وأن العرب إذا لم يدركوا حجم قوتهم كعالم عربي ويتحركوا على هذا الأساس، فلن يستطيع أحد أن يحمي مستقبلهم سوانا، وأنهم إذا عرفوا قيمتهم الحقيقية ووحدوا كلمتهم فسيكون لهم صوت مسموع ومكانة يُحسب لها حساب، وأشار إلى أن اختيار العرب للهدوء وضبط النفس والحكمة في التعامل مع الأزمات لا ينبغي أن يُفهم خطأ على أنه ضعف أو تراجع، بل هو نهج واعٍ لكنه ليس حدود القوة العربية، واختتم بالتشديد على أن ما قبل هذه الحرب ليس كما بعدها، وأن الحسابات قد تغيرت بشكل جذري، وعلى العالم العربي أن يعي هذه الحقيقة جيداً، وأن يدرك أن الثقة الحقيقية يجب أن تكون أولاً وقبل كل شيء في الذات العربية وقوتها ووحدتها وقدرتها على حماية مصالحها والدفاع عن مستقبلها في خضم هذه التحولات الإقليمية الكبرى.
أما منشور عمرو موسى، فقد حمل تحذيراً شديد اللهجة من طبيعة الهجوم الجاري على إيران، حيث رأى فيه موسى أنه ليس مجرد مغامرة إسرائيلية نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جر الولايات المتحدة إليها، بل هو في جوهره تحرك أمريكي استراتيجي مخطط بعناية، وظفت فيه واشنطن إسرائيل كشريك إقليمي، في خطوة رئيسية نحو تغيير الشرق الأوسط بما فيه العالم العربي بالكامل، وإعادة تشكيل وضعه الجيوسياسي الإقليمي وفق رؤية تحاول إسرائيل قيادته، لكنه استدرك محذراً من أن هذا الوضع الجديد لن يولد بسهولة، إذا ما كتبت له الولادة أصلاً، وذلك لأن الأمر يمس بمصالح دول عظمى وقوى كبرى أخرى، على رأسها مصير مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تمر عبر العالم العربي، وكذلك التواجد والمصالح الروسية في المنطقة، الأمر الذي يتطلب اتفاقاً على مستوى القطبية الدولية حول تفاصيل الوضع الجديد، وهو ما يجب التحسب له من الآن.
وأضاف عمرو موسى في منشوره أن إيران تبدو غير مستعدة للاستسلام كما طلب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بل إن سيناريو "علي وعلى أعدائي" هو الأقرب إلى منطق الصراع الجاري، مما يعني أن المنطقة أمام مشهد انتحاري لن يُبقي ولن يذر، ويجب وجوباً التحسب له، مع ضرورة استمرار الموقف العربي المساند لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية، ودعا إلى أن اجتماع مجلس الجامعة العربية المزمع عقده يجب أن يناقش الأمر من زاوية "أن نكون أو لا نكون"، وأن يرتفع إلى مستوى المسؤولية بالإعداد للتعامل مع التطورات الخطيرة التي تتعرض لها المنطقة بأسرها ونتائجها المستقبلية التي ستخلق بكل تأكيد مرحلة عدم استقرار إقليمي شاملة وممتدة، واختتم موسى منشوره برسالة قاسية مفادها أن تغيير الشرق الأوسط وإخضاع العالم العربي هو عنوان مهم للمرحلة يجب الاستعداد له وتقديم طرح بديل، وإذا لم يكن هذا العنوان هو موضوع النقاش في اجتماع الغد، فلا جدوى منه ولا أمل في عمل عربي مشترك في مواجهة هذا التحدي التاريخي المصيري.
أما منشور الإعلامي السعودي عبدالرحمن الراشد، الذي وجهه مباشرة إلى عمرو موسى بعبارة "معاليك، نحبك ونحترمك لكن لابد الصراحة"، فقد حمل رؤية مغايرة تركز على زاوية أخرى من المشهد، حيث اعترف الراشد في البداية بأن الحديث عن أن ما يجري مجرد مغامرة إسرائيلية أو أمريكية لتغيير الشرق الأوسط قد يكون صحيحاً، لكنه في الوقت نفسه يتجاهل حقيقة أساسية لا يمكن إغفالها، وهي أن التهديد الإيراني لم يكن موجهاً لإسرائيل وحدها، بل طال ثماني دول عربية على الأقل عبر الصواريخ والمسيرات وعبر الميليشيات البروكسي التابعة لها، مؤكداً أنه من الخليج إلى العراق ولبنان واليمن وسوريا، عاشت دول عربية لعقود طويلة تحت تهديد وتخريب مشروع إيراني توسعي استخدم الوكلاء المسلحين والصواريخ كأدوات هيمنة وإرهاب، وبالتالي لا يمكن اختزال المسألة في صراع إسرائيلي إيراني وكأن العرب الضحايا هم مجرد متفرجين على ما يحدث.
وأوضح الراشد في منشوره بالتفصيل كيف أن إيران هي التي هاجمت دولاً عربية على مدى سنين طويلة، عبر الحوثيين في اليمن ضد السعودية والإمارات، وعبر الميليشيات في العراق، وعبر حزب الله الذي دمر لبنان، وعبر شبكات النظام السوري في سوريا، مشيراً إلى أنه مهما كان العداء لإسرائيل وأمريكا، فإن أحداً لم ير إسرائيل أو أمريكا تطلقان صواريخ على عواصم الخليج أو تستهدفان منشآتها النفطية، بينما إيران هي التي فعلت ذلك، ولهذا فإن اعتبار تدمير القدرات العسكرية الإيرانية عملاً خاطئاً هو تجاهل متعمد لحقيقة أن هذه القدرات نفسها استخدمت ضد نصف الدول العربية، وبالتالي فإن تقليص قوة إيران يعني عملياً تقليص الخطر الذي يهدد نصف العالم العربي منذ أربعين عاماً.
وتساءل الراشد عن المصلحة العربية في هذا الصراع، مؤكداً أن التنافس الإيراني الإسرائيلي كان مرشحاً طبيعياً لأن ينتهي إلى حالة الحرب، لكن ليس من مصلحة العرب أن يُطلب منهم تلقائياً الاصطفاف مع المعسكر الإيراني فقط لأنه يرفع شعار العداء لإسرائيل، بل إن العكس هو الصحيح، حيث كان المتوقع من الحكومات العربية الصامتة أن تشجب إيران على هجماتها على شقيقاتها العربية، معتبراً أن صمتها يعتبر من أسوأ المواقف التي عرفتها الجامعة العربية في تاريخها، مستذكراً أنه حتى عندما احتل صدام حسين الكويت، فإن كل الدول العربية استنكرت ذلك، بما فيها تلك التي كانت ضد الحرب عليه، وخلص إلى أن المواقف المختبئة وراء معاداة إسرائيل شيء، والعدوان على الدول العربية شيء آخر مختلف تماماً.
وأضاف الراشد أن مشروع البروكسي الإيراني في المنطقة من حزب الله إلى الحوثيين لم يجلب للعالم العربي سوى الحروب وتآكل سيادة الدول، ومع انهيار هذا المعسكر أو تراجعه، فإن أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار الإقليمي سيتقلص، ولهذا فإن المنتظر من الحكومات العربية والجامعة العربية ألا تختزل النقاش هذه المرة في زاوية الصراع مع إسرائيل فقط، بل أن تنظر أيضاً إلى أمن الدول العربية التي كانت تحت تهديد مباشر من إيران وتتعرض اليوم إلى تدمير واسع، مطالباً الدول التي لم يمسها التهديد الإيراني مباشرة بحكم الجغرافيا السياسية، بألا تتغافل عن حقيقة أن نصف العالم العربي تقريباً عاش تحت تهديد المشروع الإيراني لعقود، ولا تستخف بأمن هذه الدول.
واختتم عبدالرحمن الراشد منشوره برسالة شديدة الوضوح، مؤكداً أن الدفاع عن إيران فقط لأنها ترفع شعار فلسطين مع تجاهل ما فعلته في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، هو إساءة بالغة للدول العربية التي تحملت كلفة هذا المشروع طوال أربعة عقود، ومؤكداً أن القضية ليست مشروع تغيير الشرق الأوسط، فالمنطقة دائماً في مخاضات لم تنقطع، بل القضية الحقيقية هي إنهاء مرحلة من التهديدات الميليشياوية والإيرانية، حتى لو صادف ذلك بيد قوة نحن على خلاف معها، في إشارة واضحة إلى أن زوال الخطر الإيراني قد يتحقق على يد إسرائيل أو أمريكا، لكن النتيجة النهائية تبقى في صالح الأمن القومي العربي الذي عانى طويلاً من هذا المشروع التوسعي.
بهذه المنشورات الثلاثة المتداخلة والمتكاملة، والتي نشرها خلف الحبتور عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي جامعاً إياها في حوار مفتوح، يرسم نخبة من أبرز المفكرين والمسؤولين العرب مشهداً معقداً للأزمة الراهنة، حيث تتصارع القراءات بين من يركز على المخاطر الإسرائيلية والأمريكية الوجودية التي تهدد بتغيير الشرق الأوسط وإخضاعه، وبين من يركز على التهديد الإيراني المباشر الذي طال الدول العربية لعقود من الزمن عبر الميليشيات والتدخلات المباشرة، ليأتي خلف الحبتور محاولاً الجمع بين الرؤيتين في إطار شامل يدعو إلى وحدة عربية حقيقية وقوة ذاتية قادرة على حماية المصالح العربية في خضم هذه الصراعات الدامية، مؤكداً أن الثقة لا ينبغي أن تكون إلا في الذات العربية أولاً وأخيراً، وأن العالم العربي إذا أراد النجاة من بين المطرقة والسندان، فعليه أن يدرك حجم قوته ويدفع باتجاه موقف موحد يحترمه الجميع، في لحظة تاريخية فارقة قد لا تعوض.







