الأردن في مواجهة الإرهاب.. حين يستهدف الفكر الظلامي أمن الوطن ووحدته الوطنية

{title}
راصد الإخباري -



*من كنيسة حمود إلى استشهاد العريف جواد السلايطة.. جريمتان تكشفان خطورة الفكر التكفيري، وتفرضان مواجهة وطنية شاملة لتحصين الأردن واجتثاث التطرف


بقلم : اللواء المتقاعد
 طارق عبد المحسن الحباشنة

ومن هنا، فإن مواجهة هذا الخطر لا يمكن أن تبقى مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، مهما بلغت كفاءتها وتضحيات منتسبيها؛ فالأمن الوقائي يبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام والمنصات الرقمية. وتقع على المؤسسات الدينية مسؤولية مواجهة خطاب التكفير والغلو، وترسيخ الفهم الصحيح للدين، وعلى المؤسسات التعليمية مسؤولية بناء الوعي والتفكير النقدي وثقافة الحوار والمواطنة، فيما يتحمل الإعلام مسؤولية التصدي للشائعات وخطابات الكراهية وعدم منح المنابر للمحرضين. كما أن الأسرة شريك أساسي في حماية أبنائها من الاستقطاب والتجنيد الفكري. وقد جاءت التوجيهات الملكية في أعقاب جريمة حمود واضحة في هذا الاتجاه، بالتأكيد على تقييم الجاهزية الأمنية، واستباق التهديدات، ومراجعة السياسات الوطنية لمواجهة الفكر المتطرف. وهنا تبرز ضرورة مراجعة الخطة الوطنية لمواجهة التطرف التي وضعت عام 2014، وتقييم ما نُفذ منها وما تعثر، وقياس أثر برامجها، وتحديد مواطن الخلل في التنسيق والمسؤوليات، وتحديثها بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الراهنة. فالمطلوب ليس إطلاق خطط جديدة مع كل حادثة، وإنما بناء سياسة وطنية مستدامة، بأدوار ومسؤوليات واضحة، ومؤشرات أداء وجداول زمنية محددة، تضمن الانتقال من تعدد الخطط إلى تحقيق النتائج.

ولا يمكن قراءة هذه التهديدات بمعزل عن محيط الأردن الإقليمي، خصوصاً في ضوء ما أعلنته القوات المسلحة الأردنية بشأن عملية «الردع الأردني – حمود» التي استهدفت مواقع للتنظيمات الإرهابية في جنوب شرق سوريا، وما أعلنته القوات المسلحة عن ارتباط منفذي اعتداء حمود بتلك التنظيمات. وهذا يؤكد أهمية اليقظة على الحدود، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباري، وملاحقة شبكات التجنيد والتمويل والتخطيط. لكن حماية الجبهة الخارجية لا تغني عن تحصين الجبهة الداخلية؛ فالمطلوب منظومة متكاملة تجمع بين قوة الردع، وكفاءة الأجهزة الأمنية، والعمل الاستباقي، والوعي المجتمعي. ولا يعني جمع الحادثتين في قراءة أمنية واحدة افتراض وجود ارتباط تنظيمي أو عملياتي بين منفذيهما، وإنما يجمعهما خطر الفكر المتطرف الذي يستهدف أمن الدولة والمجتمع، كل وفق ما تثبته التحقيقات والبيانات الرسمية.

لقد دفع الأردن ثمناً باهظاً من دماء أبنائه في مواجهة الإرهاب، ولم يكن رجال الأمن يوماً بعيدين عن الخطر، بل ظلوا في مقدمة الصفوف دفاعاً عن الوطن وأمن مواطنيه. واستشهاد العريف جواد السلايطة يضيف اسماً جديداً إلى سجل شهداء الواجب، فيما تبقى دماء شهداء حمود شاهداً على وحشية فكر لا يتردد في استهداف الأبرياء. والوفاء لهؤلاء الشهداء لا يكون بالكلمات وبيانات الإدانة وحدها، بل بمواصلة حماية الوطن، ومراجعة أدوات الوقاية، وملاحقة كل من يهدد أمن الأردنيين، وتحويل التوجيهات الوطنية إلى إجراءات ونتائج ملموسة. فاستهداف كنيسة أردنية هو استهداف لكل مسجد وبيت أردني، والاعتداء على رجل الأمن هو اعتداء على حق كل مواطن في الأمن والحياة. إن معركتنا الحقيقية ليست مع من يحمل السلاح وحده، بل مع الفكر الذي يبرر له القتل؛ *فحماية الأردن مسؤولية دولة ومجتمع، والوحدة الوطنية وسيادة القانون خط الدفاع الذي لا يجوز أن يُخترق.*