تساؤلات مشروعة بعد أحداث حمود واستشهاد رجل الأمن جواد السلايطة... أين تكمن الخلل؟
راصد الإخباري -
بقلم: الشيخ المحامي سامي جارد الحويطات
استوقفتني عدة أمور منذ حادثة بلدة حمود في محافظة الكرك، التي فقدنا فيها تسعة من أبناء الوطن الأوفياء، وصولا إلى حادثة الغدر والإرهاب التي أودت بحياة رجل الأمن الشاب جواد السلايطة، على يد إرهابي جبان من أصحاب الفكر التكفيري الضال والخوارج الزنادقة.
رحم الله شهداء الوطن جميعا، وأسكنهم فسيح جناته.
ولكن ما يستوقفني ويحيرني حقا هو طبيعة النقاش الدائر في الشارع الأردني عقب هذه الأحداث، حيث تتكرر المطالبات بإقالة هذا الوزير وتعيين ذاك، أو إعفاء مدير أمني واستبداله بآخر، وكأن أمن الوطن واستقراره محصوران في بضعة أسماء لا بديل عنها!
نحن لا نقلل من شأن أحد، ولا ننكر كفاءة من يتولى المسؤولية، ولكن الأردن ولاد بالكفاءات والرجالات القادرين على تحمل المسؤولية، وفي وطننا آلاف الكفاءات التي تستطيع أن تؤدي واجبها بكل اقتدار إذا أتيحت لها الفرصة وتوفرت لها الإرادة والصلاحيات.
إن الانضباطية مطلوبة، والمحاسبة واجبة، وتطبيق القانون ضرورة لا تقبل التهاون، ولكن يجب أن يكون القانون فوق الجميع، وأن يطبق على حذافيره دون انتقائية أو محاباة أو مراعاة للخواطر، فلا يجوز أن يكون هناك مواطن فوق القانون أو مسؤول بمنأى عن المساءلة.
ومن هنا، أرى أن المرحلة تتطلب مراجعة جادة وشاملة لبعض القوانين والتشريعات والإجراءات، والوقوف على الأسباب التي أدت إلى تكرار مثل هذه الأحداث، والعمل على معالجة مواطن الخلل قبل أن تتكرر النتائج المؤلمة. فالأمن لا يتحقق بتغيير الأسماء وحده، وإنما بتطوير المنظومة الأمنية والتشريعية وتعزيز الوقاية والاستباق والمحاسبة.
أما ما يسمى بسياسة الأمن الناعم، فإنها لا ينبغي أن تتحول إلى تساهل مع أصحاب الفكر الإرهابي والتكفيري، أو إلى ضعف في مواجهة من يستهدفون أمن الوطن ومؤسساته ورجال أمنه. فهؤلاء لا يفهمون لغة التسامح مع الجريمة، وإنما يجب مواجهتهم بحزم القانون وقوة الدولة، دون تهاون أو تفريط.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو مسؤولية المواطن، وتحديدا ثقافة الفزعة والنخوة والشهامة التي تربينا عليها جيلا بعد جيل.
لقد أصبحنا نشاهد في بعض الحوادث من يكتفي بإخراج هاتفه وتصوير الواقعة، بينما يقف المعتدى عليه وحيدا في مواجهة الخطر، وكأن الأمر لا يعنيه!
أين الفزعة؟ وأين النخوة؟ وأين الشعور بالمسؤولية تجاه رجل الأمن الذي يسهر على راحتنا ويحمي أبناءنا وممتلكاتنا، بينما نحن ننام آمنين في بيوتنا؟
إن ما حدث مع الشهيد الشاب جواد السلايطة يطرح تساؤلات مؤلمة حول موقف بعض المتواجدين في موقع الحادث، ومن بينهم سائق مركبة عمومية وبعض المارة، ممن بدا أنهم اكتفوا بالمشاهدة والتصوير دون محاولة تقديم المساعدة أو الاستنجاد الفوري.
ولا يعني ذلك مطالبة المواطنين بمواجهة الإرهابيين بطرق تعرض حياتهم للخطر، ولكن كان بالإمكان، وفق ما تسمح به ظروف الواقعة، التدخل الآمن، أو إرباك المعتدي، أو الاستنجاد بالجهات المختصة، أو تقديم أي مساعدة ممكنة لإنقاذ رجل الأمن.
ومن هنا، فإن التحقيق يجب أن يشمل جميع ملابسات الحادث، بما فيها معرفة ما قام به المتواجدون في الموقع، وتحديد ما إذا كان هناك تقصير أو امتناع عن تقديم المساعدة، وفق أحكام القانون.
إن حماية الوطن ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من وعي المواطن، وتمر بالتزامه بالقانون، وتنتهي بتعاونه مع مؤسسات الدولة في مواجهة كل من يحاول العبث بأمننا واستقرارنا.
إننا لا نريد أن نكتفي بالبكاء على شهدائنا بعد وقوع الفاجعة، بل نريد أن نتعلم من كل حادثة، وأن نحاسب المقصر، وأن نطور أدواتنا، وأن نعيد الاعتبار لقيم النخوة والفزعة والمسؤولية.
الأردن أكبر من الأشخاص والمناصب، وأمنه واستقراره أمانة في أعناقنا جميعا، وقيادتنا الهاشمية وشعبنا وأجهزتنا الأمنية والقوات المسلحة جسد واحد في مواجهة الإرهاب والتطرف.
حمى الله الأردن، وحمى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين، ورحم شهداء الوطن، وحفظ نشامى أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة.







