لماذا يشعر الناس بالفقر رغم نمو الاقتصاد العالمي
يواجه الاقتصاد العالمي حالة من التناقض الصارخ في الوقت الراهن، حيث تشير التقارير الرسمية إلى نمو متصاعد في الإنتاج وقفزات تقنية كبرى، بينما لا يلمس ملايين البشر هذا الازدهار على أرض الواقع. وأوضح خبراء أن الفجوة بين الأرقام الكلية ومعيشة الأفراد تتسع، إذ يواجه المواطن العادي ارتفاعا مستمرا في تكاليف السكن والطاقة والغذاء، مما يجعل الراتب الشهري غير كاف لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وكشفت البيانات الاقتصادية أن الناتج المحلي الإجمالي يغفل توزيع الثمار بين فئات المجتمع، حيث لا يعكس هذا المؤشر قدرة الموظف على شراء منزل أو تحمل تكاليف التعليم. وأظهرت الأرقام في الولايات المتحدة أن متوسط دخل الأسرة شهد زيادة طفيفة جدا لا تتجاوز 2.5 بالمئة خلال ست سنوات، مما جعل تحسين مستوى المعيشة أمرا بالغ الصعوبة رغم تسجيل مستويات دخل قياسية اسميا.
وأضافت التقارير أن هذه الظاهرة لا تقتصر على دولة بعينها، بل تمتد إلى أوروبا التي شهدت قفزة في أسعار المنازل بنسبة 53 بالمئة خلال الفترة بين 2010 و2024، مع زيادة مطردة في الإيجارات. وبينت الاحصائيات أن الأسر الأوروبية تضطر لإنفاق نسبة كبيرة من دخلها المتاح على المسكن، بينما سجلت فرنسا تراجعا ملموسا في القدرة الشرائية للأسرة الواحدة خلال العامين الأخيرين.
وبينت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الأجور الحقيقية لا تزال تعاني من آثار موجة التضخم التي ضربت العالم منذ عام 2022. وأشار محللون إلى أن تباطؤ معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، بل يعني فقط أن وتيرة الارتفاع أصبحت أقل سرعة، وهو ما يفسر استمرار شعور المواطنين بالضغط المالي رغم التصريحات الرسمية بتراجع التضخم.
وأظهرت التجربة اللبنانية مفارقة قاسية، حيث أدى الانهيار المالي والنقدي إلى تآكل كامل في القدرة الشرائية. وذكر صندوق النقد الدولي أن التضخم لا يزال في مستويات مرتفعة، مع تأثيرات سلبية عميقة للتوترات الأمنية على البنية التحتية ومستويات المعيشة، مما يجعل من الصعب على المواطن التكيف مع هذه الأزمات المتلاحقة.
وخلصت التحليلات إلى أن البشرية بحاجة إلى مؤشرات جديدة تتجاوز مجرد قياس حجم الاقتصاد لتشمل قياس الأمان الاقتصادي الحقيقي. وأكد المختصون أن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه ليس مقدار النمو، بل من المستفيد من هذا النمو، مشددين على أن الاقتصاد الذي لا يحمي الطبقة الوسطى ولا يوفر الشعور بالأمان للمواطن يفقد قيمته الحقيقية ويخلق أزمة ثقة في النظام الاقتصادي والسياسي برمته.







