حسان أبو جرار «رودان المملكة» في النحت المعاصر

{title}
راصد الإخباري -

حسان أبو جرار

«رودان المملكة» في النحت المعاصر

حين تصبح الأخلاق منحوتةً أخرى… وحين تنحت الموهبة مجدها بعيدًا عن الشهادات

بقلم: المستشار الدكتور ثامر الناصري
عمّان – 25 / 8 / 2026

هناك فنانون تستطيع أن تكتب عن أعمالهم.

وهناك فنانون تجعلك أعمالهم تبحث عن لغة جديدة لتكتب عنهم.

لكن هناك قلة نادرة جدًا من الفنانين، حين تقترب من تجربتهم، تكتشف أنك لا تستطيع الفصل بين الإنسان والفنان؛ لأن أخلاقهم جزء من جمال أعمالهم، وإنسانيتهم جزء من تكوينهم التشكيلي.

ومن هؤلاء يأتي النحات الأردني حسان أبو جرار.

ذلك الرجل الذي أحب أن أسميه، دون تردد:

«رودان المملكة في النحت المعاصر»

ليس لأنني أريد أن أضعه في ظل أحد، ولا لأن النحت الأردني يحتاج إلى استعارة اسم عالمي كي يثبت حضوره، بل لأنني أجد في تجربته ذلك الإصرار النادر على تحويل المادة الجامدة إلى كائن يحمل إحساسًا، وحركة، وذاكرة، وحضورًا.

والأجمل من ذلك كله…

أن حسان لم يبدأ من وفرة الإمكانات.

بل بدأ من الموهبة.


موهبتان وضعهما الله في قلب رجل

لم يكمل حسان أبو جرار تعليمه الأكاديمي بالمعنى التقليدي.

لكن الحياة أحيانًا تمنح الإنسان ما لا تستطيع الشهادات أن تمنحه.

وقد وضع الله في هذا الرجل موهبتين عظيمتين.

الأولى، وهي عندي الأهم:

الأخلاق الرفيعة جدًا.

والثانية:

موهبة النحت المتميزة جدًا.

وقد يبدو للوهلة الأولى أنني أفصل بينهما.

لكنني في الحقيقة أراهما منحوتةً واحدة.

فالرجل الذي يحترم الإنسان، يحترم الحجر.

والذي يتعامل مع الآخرين برقي، يعرف كيف يتعامل مع المادة بصبر.

والذي يحمل في داخله هذا القدر من التواضع، يستطيع أن يترك لعمله أن يتحدث عنه دون ضجيج.


عشرون عامًا… ولم يتغير الرجل

عرفت حسان أبو جرار منذ ما يقارب عشرين عامًا.

وعبر هذه السنوات الطويلة، راقبت الإنسان قبل أن أراقب الفنان.

والإنسان الذي عرفته في البدايات هو نفسه الذي أراه اليوم.

لم تغيره الظروف.

لم تغيره صعوبة الحياة.

لم تغيره النجاحات.

ولم تستطع المعاناة أن تنتزع منه ذلك الصفاء الذي يميزه.

وهذه في حد ذاتها موهبة نادرة.

فكم من إنسان تغيّر حين تغيرت ظروفه؟

وكم من فنان تغير حين بدأ الناس يصفقون له؟

وكم من موهبة صغيرة تحولت إلى غرور كبير حين بدأت الأضواء تقترب منها؟

أما حسان…

فبقي حسان.


النحات الذي لم ينحت الكتلة فقط

حين أقول إن حسان ساحر النحت، فأنا لا أقصد مبالغة أدبية.

السحر هنا هو تلك القدرة التي تجعل المتلقي ينسى للحظة أن ما أمامه مادة جامدة.

الكتلة عنده ليس مادة فقط.

إنه مساحة للحوار.

والكتلة ليست وزنًا.

إنها فكرة.

والفراغ ليس غيابًا.

بل جزء من العمل.

وهنا تبدأ لغة النحت الحقيقية.


بين المطرقة والروح

النحات يعمل بيده.

لكن النحت الحقيقي يبدأ قبل اليد.

يبدأ في العين.

ثم ينتقل إلى المخيلة.

ثم إلى الفكر.

ثم إلى الإحساس.

وبعد ذلك فقط يصل إلى اكمال المنجز .

وهذا ما يجعل بعض النحاتين مختلفين عن غيرهم.

فالالة ، قد يستطيع كثيرون حملها.

لكن رؤية ما يجب أن يبقى من الحجر وما يجب أن يختفي ليست مهارة يملكها الجميع.

وهنا تكمن موهبة حسان.


أخلاقه… العمل الفني الذي لا يُعرض في صالة

أستطيع أن أتحدث طويلًا عن منحوتاته.

لكنني أجد أن هناك عملًا فنيًا آخر لحسان لا يُعرض في صالة ولا يوضع على قاعدة.

إنه أخلاقه.

ذلك التعامل الراقي مع الناس، مهما اختلفت مستوياتهم ومواقعهم وأطيافهم.

إنه لا يتعامل مع الإنسان وفق موقعه.

وهذه صفة لا تُشترى.

ولا تُدرس في كتاب.

ولا تمنحها أكاديمية.

إنها تربية روح.

ولهذا أقول إن حسان نحت في حياته عملًا أعظم من الكتلة :

نحت شخصيته.


سيد النحت الذي اختار الكرامة

هناك فنانون يبحثون عن الشهرة.

وهناك فنانون تبحث عنهم الشهرة.

وحسان من النوع الثاني.

لقد عاش بكرامة لا توصف.

لم يجعل حاجته إلى الحياة سببًا للتنازل عن احترامه لنفسه.

ولم يجعل صعوبة الطريق سببًا للتنازل عن احترامه للآخرين.

وهذه معادلة صعبة جدًا:

أن تكون موهوبًا دون غرور.

وأن تكون ناجحًا دون تكبر.

وأن تعاني دون أن تتحول معاناتك إلى قسوة.

وأن تكون كريمًا في زمن أصبح فيه الكرم امتحانًا صعبًا.


حسان أبو جرار… «رودان المملكة»

عندما أضع أمام اسمه لقب:

«رودان المملكة في النحت المعاصر»

فإنني أبحث عن دلالة تتجاوز التشابه الشكلي.

رودان كان يؤمن بأن الإنسان يمكن أن يصبح فكرةً في كتلة.

وحسان، في تجربته الأردنية، استطاع أن يجعل النحت مساحةً لولادة الفكرة من المادة.

لكن حسان ليس نسخة من رودان.

ولا ينبغي أن يكون.



فالفنان الحقيقي لا يعيش في ظل فنان آخر.

إنه يأخذ من الإنسانية ما يلزمه، ثم يبني عالمه الخاص.

وحسان بنى عالمه.

عالمًا أردنيًا بروح إنسانية واسعة.


النحت الأردني يحتاج إلى قراءة جديدة

إن تجربة حسان أبو جرار تستحق ألا تُقرأ بوصفها تجربة نحات فحسب.

بل بوصفها جزءًا من المشهد التشكيلي الأردني الذي يستحق المزيد من التوثيق والقراءة والنقد.

فالنحت في الأردن ليس هامشًا في الحركة التشكيلية.

إنه ذاكرة بصرية.

وحين يظهر نحات قادر على تحويل المادة إلى لغة، يصبح من واجبنا أن نتوقف أمام تجربته.

لا لكي نصفق له فقط.

بل لكي نفهمه.


ماذا يخفيه في الكتلة ؟

ربما أجمل سؤال يمكن أن نطرحه أمام أي نحات هو:

ماذا رأى قبل أن يبدأ؟

ماذا رأى حسان في الكتلة؟

هل رأى جسدًا؟

أم حركة؟

أم روحًا؟

أم حكاية؟

أم إنسانًا كان ينتظر أن يتحرر من المادة ؟ 

هذه الأسئلة هي التي تجعل النحت فنًا لا صناعة.

والنحات الكبير ليس من يضيف إلى الكتلة كثيرًا.

بل من يعرف كيف يكشف ما كانت الكتلة تخفيه ؟ 


رجل لم تغيره الحياة

عشرون عامًا من المعرفة تكفي أحيانًا لكي تعرف معدن الإنسان.

وحسان بالنسبة لي ليس مجرد فنان أعرفه.

إنه تجربة إنسانية شاهدت امتدادها.

رأيت كيف يمكن للإنسان أن يظل كريمًا رغم قسوة الظروف.

وكيف يمكن للفنان أن يحافظ على موهبته دون أن يسمح لها بأن تفسد أخلاقه.

ولهذا فإن الحديث عن حسان أبو جرار لا يمكن أن ينتهي عند حدود النحت.

لأن هناك دائمًا إنسانًا يقف خلف المنحوتة.


ساحر النحت

وأعود إلى اللقب الذي أراه الأقرب إليه:

ساحر النحت.

لأن الساحر الحقيقي لا يشرح سرّه.

وحسان لا يحتاج إلى شرح كثير.

يكفي أن تقف أمام العمل.

أن تنظر.

أن تصمت قليلًا.

ثم تسأل نفسك:

كيف خرج هذا الجمال من هذه الكتلة؟

هنا تبدأ الحكاية.

وهنا تبدأ دهشة النحت.


حسان أبو جرار… عندما تتكلم الموهبة

في زمن أصبح فيه الناس يقيسون قيمة الإنسان بعدد الشهادات والألقاب والمناصب، يأتي حسان ليذكرنا بحقيقة قديمة:

الموهبة لا تحتاج دائمًا إلى شهادة لكي تكون عظيمة.

لكنها تحتاج إلى شيء أصعب:

العمل.

والصبر.

والإخلاص.

والكرامة.

والاستمرار.

وهذه كلها وجدتها في حسان.


كلمة أخيرة

يا حسان…

لقد عرفتك منذ عشرين عامًا.

وما زلت أجد فيك ذلك الرجل الذي عرفته في البداية.

لم تغيرك الأيام.

ولم تغيرك الظروف.

ولم تغيرك الحياة.

وهذه وحدها شهادة لا أحتاج معها إلى ورقة.

أما فنك، فقد جعل من الحجر لغة، ومن الكتلة حضورًا، ومن الصمت خطابًا.

لذلك أقولها بكل ثقة:

حسان أبو جرار ليس مجرد نحات أردني.

إنه حالة إنسانية وفنية تستحق أن تُقرأ بعمق.

وإذا كان الأردن قد منحته أرضًا وذاكرةً وبيئةً، فقد منح هو الأردن في المقابل شيئًا لا يقل قيمة:

جمالًا منحوتًا في المادة… وأخلاقًا منحوتة في الإنسان.

ولهذا سأظل أراه:

حسان أبو جرار

رودان المملكة في النحت المعاصر

ساحر الحجر… والرجل الذي نحت أخلاقه قبل أن ينحت أعماله.

المستشار الدكتور ثامر الناصري
عمّان – 25 / 8 / 2026