حين تكون العدالة رقمية… لا بد أن تكون قابلة للتحقق.
راصد الإخباري -
النائب م حسين كريشان
عندما يتنافس آلاف الأردنيين على فرصة وظيفية واحدة، فإن أي علامة استفهام حول عدالة الامتحان لا تبقى مسألة إدارية، بل تتحول إلى مسألة ثقة بالدولة ومؤسساتها.
وفي الوظيفة العامة، لا تكفي سلامة النتيجة بحد ذاتها؛ فالمواطن يريد أن يطمئن إلى أن الطريق الذي أوصل إليها كان واضحًا، ونزيهًا، ومتساويًا أمام الجميع.
ومع انتقال الامتحانات وإجراءات التوظيف إلى الأنظمة المحوسبة، لم تعد النزاهة مسؤولية إعداد الأسئلة وتصحيح الإجابات فقط، بل أصبحت تشمل سلامة النظام الإلكتروني، وحماية البيانات، وضمان إمكانية تتبع الإجراءات المؤثرة في النتيجة ومراجعتها عند الحاجة.
ومن هنا، تبرز أسئلة مشروعة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تشكيكًا بالمؤسسات، بل باعتبارها جزءًا من حماية الثقة العامة وضمان العدالة.
هل تُطبَّق معايير النزاهة والشفافية في جميع مراحل الامتحان، من إعداد الأسئلة وحتى إعلان النتائج؟
وإذا كانت النتائج تُدار إلكترونيًا، فما الضوابط التي تضمن سلامة إدخالها ومعالجتها واعتمادها؟ وهل يمكن تتبع الإجراءات المرتبطة بالنتيجة ومراجعتها عند الحاجة؟
في الأنظمة الرقمية، لا يكفي أن نقول إن البيانات محفوظة أو إن النظام آمن؛ فالسؤال الأهم هو: كيف نثبت ذلك؟
فكل إجراء رقمي مؤثر في نتيجة الامتحان يجب أن يكون قابلًا للتتبع والمراجعة، بحيث يمكن معرفة ما جرى، ومتى جرى، وكيف جرى، مع الحفاظ الكامل على سرية الأسئلة وبيانات المتقدمين.
كما يجب أن تخضع الأنظمة الرقمية لإجراءات واضحة للرقابة والحماية، وأن تُسجل العمليات الحساسة في سجلات إلكترونية محمية، بما يسمح بالتحقق من سلامة الإجراءات دون المساس بسرية البيانات أو نزاهة المنافسة.
هذه ليست أسئلة تقنية فقط، بل هي في جوهرها أسئلة عدالة.
فالشاب الذي ينتظر فرصة وظيفية بعد سنوات من الدراسة والبحث عن عمل، لا يطلب امتيازًا، وإنما يطلب أن يعرف أن الفرصة التي تنافس عليها كانت متاحة له ولغيره بالشروط والمعايير نفسها، وأن النتيجة لم تتأثر بخطأ تقني، أو خلل في الإجراءات، أو صلاحيات غير منضبطة.
لذلك، يجب ألا يكون التحول الرقمي في الإدارة العامة مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة، بل انتقالًا إلى مستوى أعلى من الشفافية وقابلية التدقيق والمساءلة.
فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقاس فقط بسرعة إنجاز المعاملة أو دقة احتساب النتيجة، وإنما بقدرة النظام على حماية حقوق المتقدمين، وضمان تكافؤ الفرص، وإتاحة التحقق من سلامة الإجراءات.
إن أفضل الأنظمة الرقمية ليست تلك التي تقول لنا إنها آمنة، وإنما تلك التي تستطيع أن تقدم الدليل على سلامتها.
فالثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما بإجراءات واضحة، وسجلات محفوظة، وآليات تدقيق مستقلة وفعالة.
ولا يعني طلب التحقق افتراض وجود خلل، كما لا يعني طرح الأسئلة التشكيك بالمؤسسات؛ بل يعني أن التطور الرقمي يفرض علينا معايير أعلى للشفافية والمساءلة، لأن ما أصبح ممكنًا تقنيًا يجب أن يصبح ممكنًا رقابيًا أيضًا.
فالعدالة في الوظيفة العامة حق للمواطن، وحين تصبح الامتحانات رقمية، يجب أن تكون نزاهتها قابلة للتحقق؛ لأن النتيجة العادلة لا يكفي أن تكون صحيحة، بل يجب أن يكون الطريق إليها واضحًا، قابلًا للإثبات والتدقيق، ومبنيًا على فرص متساوية للجميع.







