لماذا تظل لندن الوجهة الاولى لتخزين الذهب عالميا وما موقف الصين
تواصل لندن احتفاظها بمكانتها بوصفها الوجهة الاولى لتخزين الذهب السيادي في العالم رغم صعود الصين وتنامي الحديث عن انتقال مراكز الثقل المالي نحو اسيا. واظهرت المعطيات ان المنافسة اليوم لا تقتصر على امتلاك المعدن النفيس بل تمتد لتشمل السيطرة على البنية التحتية التي تتيح حفظه وتداوله واقراضه وتسويته وهي ميزة ما زالت العاصمة البريطانية تتفوق فيها على منافسيها.
وكشف مسح مجلس الذهب العالمي الذي شمل 76 بنكا مركزيا ان بنك انجلترا لا يزال موقع التخزين الاكثر استخداما اذ افاد 57% من المشاركين بانهم يحتفظون بجزء من احتياطياتهم لديه بينما قال 49% انهم يخزنون جزءا من الذهب داخل بلدانهم في حين يستخدم 16% ترتيبات الحفظ التي يوفرها بنك التسويات الدولية.
وبينت البيانات انه بنهاية يونيو ضمت خزائن لندن التجارية وخزائن بنك انجلترا نحو 9464 طنا من الذهب بقيمة تقارب 1.2 تريليون دولار. واوضح المسح ان بنك انجلترا وحده يحتفظ باكثر من 400 الف سبيكة داخل تسع خزائن تحت الارض بينما لا تمثل حصة الخزانة البريطانية سوى نحو 6% من اجمالي الذهب المحفوظ لديه اذ تعود النسبة الاكبر لبنوك مركزية وحكومات ومؤسسات مالية من مختلف انحاء العالم.
وقال الاقتصادي والمصرفي شريف عثمان ان مكانة لندن تستند الى تراكم تاريخي ومؤسسي بدأ منذ عصر المعيار الذهبي في القرن التاسع عشر حين اصبحت المدينة مركزا رئيسيا لتجارة الذهب قبل ان تعزز هذه المكانة عبر تطور اسواقها المالية واستمرارها في اداء دور محوري في النظام النقدي العالمي. واضاف عثمان ان موقع لندن بين الاسواق الاسيوية والامريكية منحها افضلية جغرافية في حركة التداول بينما وفر النظام القانوني البريطاني وحماية حقوق الملكية بيئة عززت ثقة البنوك المركزية والمؤسسات المالية في الاحتفاظ باحتياطياتها داخلها.
واتفق الخبير الاقتصادي هشام بالمين مع هذا التقييم موضحا ان تفوق لندن لا يرتبط بالتاريخ وحده وانما ايضا بامتلاكها واحدة من اكثر اسواق الذهب سيولة في العالم وهو ما يمنح البنوك المركزية مرونة اكبر في ادارة احتياطياتها سواء عبر البيع او الشراء او الاقراض او استخدام الذهب في المعاملات المالية عند الحاجة. واشار بالمين الى ان سوق لندن يعمل وفق معيار التسليم الجيد الذي يحدد مواصفات السبائك المقبولة من حيث الوزن والنقاء والجودة ما يقلل الحاجة الى اعادة فحصها عند تداولها ويزيد من كفاءة السوق وثقة المتعاملين بها.
واكد بالمين ان التخزين المحلي يمنح الحكومات سيطرة مباشرة على احتياطياتها الا ان وجود الذهب في لندن يتيح الوصول الفوري الى اكبر سوق عالمية لتداول الذهب واقراضه وهو ما يجعل العاصمة البريطانية الخيار المفضل لكثير من البنوك المركزية رغم الاتجاه المتزايد نحو تنويع مواقع الحفظ.
واظهرت نتائج المسح توجها متزايدا لدى البنوك المركزية نحو توزيع احتياطياتها بين خزائن محلية واخرى خارجية تقع في ولايات قضائية مختلفة بهدف تقليل مخاطر التركيز وضمان سهولة الوصول الى الذهب خلال الازمات بدلا من الاعتماد على مركز واحد مهما بلغت درجة الامان التي يوفره. وارتفعت نسبة البنوك المركزية التي زادت تخزين الذهب داخل بلدانها الى 9% في العام الحالي مقارنة بـ5% في العام السابق مما يشير الى ان الاتجاه السائد لم يعد استبدال لندن بل توزيع المخاطر بين اكثر من مركز عالمي.
وحول مزاحمة الصين للندن كشف عثمان ان بكين تعمل على بناء منظومة مالية اكثر استقلالا عن الغرب تشمل تطوير اسواق الذهب وتسعيره وتخزينه الا ان منافسة لندن تتطلب اكثر من امتلاك كميات كبيرة من المعدن النفيس اذ تحتاج الى منظومة قانونية ومالية تتمتع بالشفافية والثقة والسيولة نفسها التي بنتها لندن على مدى عقود. واضاف ان معظم البنوك المركزية لا تختار مواقع التخزين على اساس الاعتبارات الجغرافية او السياسية فقط وانما وفقا لعوامل تشمل سهولة الوصول الى الاسواق والقدرة على تنفيذ المعاملات بسرعة واستقرار البيئة القانونية وهي عناصر لا تزال تمنح لندن افضلية واضحة.
واشار بالمين الى ان التطورات الجيوسياسية والعقوبات الغربية دفعت عددا من الدول الى اعادة النظر في اماكن تخزين احتياطياتها معتبرا ان هذا التوجه لا يعني تراجع الثقة في لندن بقدر ما يعكس تغيرا في اساليب ادارة المخاطر اذ اصبحت البنوك المركزية اكثر ميلا الى تنويع مواقع التخزين بدلا من الاعتماد على مركز واحد حتى وان ظل الاكثر كفاءة.







