ليس صدفة ولا يصبّ في مصلحة الدولة
راصد الإخباري -
حسين الرواشدة
تصوَّر ؛ حساب من مصدر مجهول ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي تسريبات عن وقائع فساد ، وتجاوزات في الادارة العامة ، يحظى بمتابعة قطاع من الأردنيين ، ويثير ضجة لدى الرأي العام ، ويحرك التساؤلات والردود ، وربما فرق التفتيش الرسمية أيضاً، لا يهم اسم المصدر أو هويته ، ولا صحة أو عدم صحة المعلومات التي ينشرها ، المهم : من هي المصادر المخفية التي تسرب هذه المعلومات ، وما أهدافها ، وكيف تولدت القابلية الشعبية للتفاعل معها و تصديقها بدون تدقيق ، والأهم لماذا غابت مراصدنا الرقابية عن هذه التجاوزات بانتظار من يكشفها عن بعد؟
أعرف ، لدينا جهات رقابية تراقب وتتابع وتحاسب، ديوان المحاسبة ، مثلاً، يصدر تقريراً سنوياً ، يتضمن معلومات عن التجاوزات والمخالفات المالية والإدارية ، وهي بالآلاف ، هو وغيره جزء من هذه المنظومة ، أعرف ، أيضاً، لدينا في الادارة العامة أخطاء مثل غيرنا ، ولدينا فساد وتجاوزات ادارية بحاجة إلى مكافحة مستمرة ، أعرف ، ثالثاً، لدينا تجربة مع "الحبال السرية" التي تستخدم تسريب الملفات والمعلومات لأسباب مختلفة ، سواء في إطار صراع النفوذ ومراكز القوى، أو تصفية الحسابات السياسية، لكن يبقى سؤال مهم : لماذا تخسر إدارات الدولة في مواجهة سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، مع أنها قادرة على المواجهة ، وعلى المحاسبة ، وعلى تصحيح ما يحدث من أخطاء ومن تسريبات؟
ما عجز الآخرون عن فعله للاستقواء على بلدنا بأدوات الماضي ، سواء في سياق محاولات زعزعة ثقة الأردنيين بدولتهم، أو سياق إنتاج وعي مزيف يتناسب مع استحقاقات المرحلة القادمة ، ينجزونه، الآن ، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ، باعتبارها بديلاً أقوى من احتجاجات الشارع التي شهدناها في السنوات الماضية ، المسألة لا تتعلق بالكشف عن الفساد أو أي تجاوزات أخرى ، هذه مهمة الجهات الرسمية وقوى المجتمع المدني وأدواته، وإنما تتعلق -في هذا التوقيت وبالطريقة التي نتابعها - بتصدير انطباع عام أننا دولة عاجزة ، كل مسؤول فاسد ، كل إنجاز وهَمْ، كل إصلاح فشل ، وهذا غير صحيح أبداً، الأردنيون يعرفون ذلك تماماً.
في إطار معركة الصراع على الصورة والرواية ، وعلى الوعي أيضاً، يمكن أن ندقق بما جرى خلال الأيام المنصرفة من وقائع ، وهي كلها تصب في هذا الاتجاه الذي أشرت إليه سلفاً، رواية النائب الذي صدر بحقه حكم قضائي في قضية لا علاقة لها بالسياسة ، كيف تم إخراجها والترويج لها في إطار المظلومية ، والتشكيك بمرفق القضاء، الحسابات التي تتناسل " كالأميبا" على وسائل التواصل لضرب وحدتنا الوطنية، وافتعال الصراعات على الهوية داخل مجتمعنا ، صالونات الفجور السياسي التي تغذي نزعات الغضب لدى الأردنيين وتحرضهم على مؤسساتهم، هذه الوقائع وغيرها تتزامن مع غياب رواية رسمية ترد بقوة وإقناع ، ومع اختفاء نخب عاقلة توجه النقاشات وتضبط بوصلتها، ومع تمدد حالة من الانتهازية السياسية أيضاً.
ما يحدث ليس صدفة أبداً، ولا يصب في مصلحة الدولة ، ولا يخدم طموحات الأردنيين للإصلاح والعدالة، ومواجهة الفساد ، ورفع مستوى حياتهم وتوفير العيش الكريم لهم ، ما يحدث -كما شهدنا نماذج منه في تجارب بلدان حولنا- وراءه "حبال سرية"، و قطب مخفية، لها أجنداتها ومصالحها وأهدافها ، ولها منصاتها وأذرعها التي تنفذ المطلوب ، التوقيت مهم : اقتراب نهاية مخاضات الصراع على المنطقة ، وإعادة توزيع الأدوار فيها ، ما يجب أن ينتبه اليه الأردنيون ، وأن يفكروا ويتصرفوا به ، هو الحفاظ على الدولة / دولتهم ، وحمايتها، ما عدا ذلك تفاصيل ، يمكن النقاش أو الاختلاف حولها وفق القنوات المشروعة ، وبدون أي ضجيج.







