مجالس المحافظات يجب أن تبقى.. ولكن بتشريع يضبط صلاحيات الأعضاء

{title}
راصد الإخباري -

مجالس المحافظات يجب أن تبقى.. ولكن بتشريع يضبط صلاحيات الأعضاء
لا يختلف اثنان على أهمية مجالس المحافظات باعتبارها إحدى أدوات اللامركزية، ودورها في نقل احتياجات المواطنين إلى صناع القرار وتحقيق تنمية أكثر عدالة بين مناطق المملكة. إلا أن التجربة السابقة أظهرت الحاجة إلى مراجعة تشريعية تعزز نجاحها وتضمن توجيه مخصصاتها نحو الأولويات الحقيقية للمحافظات.
فإذا ما تقرر مستقبلاً إعادة انتخاب مجالس المحافظات انتخابًا مباشرًا من المواطنين، فإن نجاح هذه التجربة يتطلب تشريعًا يضبط صلاحيات الأعضاء، ويجعل قرارات المجلس مبنية على احتياجات المحافظة الفعلية، لا على المحاصصة الجغرافية أو السعي لإرضاء كل منطقة على حساب المصلحة العامة.
لقد أظهرت التجربة السابقة وجود تخبط في بعض القرارات، إذ تعامل بعض الأعضاء مع المشاريع باعتبارها حقًا لمنطقتهم، بدلاً من اعتماد التخطيط المبني على الأولويات. ونتيجة لذلك، أُنشئت بعض المشاريع التي لا تمثل أولوية، في حين بقيت قطاعات أساسية بحاجة إلى الدعم والتطوير.
ومن هنا، فإن أي قانون جديد يجب أن ينص على إشراك ممثلين عن هيئات ذات خبرة، مثل غرف التجارة والصناعة، والنقابات المهنية، والجمعيات التنموية، والجهات الفنية المختصة، بما يحقق التوازن في صناعة القرار، ويحد من تغول الصلاحيات أو تغليب المصالح المناطقية، ويضمن أن تكون القرارات مستندة إلى دراسات فنية واحتياجات تنموية حقيقية.
كما ينبغي اعتماد مبدأ الأولويات على مستوى المحافظة بأكملها، وليس على مستوى كل قرية أو منطقة. فليس من المنطقي إنشاء مركز صحي شامل، أو مركز شبابي، أو ملعب، أو صالة متعددة الأغراض في كل قرية، إذا كانت منشأة واحدة قادرة على خدمة قريتين أو أكثر بكفاءة أعلى وكلفة أقل، خصوصًا في المحافظات التي تتقارب فيها التجمعات السكانية ولا تفصل بينها سوى مسافات قصيرة.
ولا يقتصر الأمر على تحديد أولويات المشاريع، بل يجب أيضًا أن تؤخذ سهولة وصول المواطنين إليها بعين الاعتبار، من خلال اختيار مواقع مناسبة تتوافر لها شبكة طرق جيدة ووسائل نقل تسهل وصول المواطنين إليها. فنجاح أي منشأة حكومية لا يقاس بعدد المباني التي تُقام، وإنما بمدى قدرتها على تقديم الخدمة لأكبر شريحة من المواطنين بكفاءة وعدالة.
كما يجب أن تُوجَّه موازنات مجالس المحافظات أولًا إلى المشاريع الأكثر احتياجًا، مثل بناء المدارس، وتطوير المراكز الصحية، وتزويدها بالأجهزة الطبية، وتحسين البنية التحتية، قبل التوسع في المشاريع الثانوية التي يمكن تأجيلها أو دمجها بما يخدم أكثر من منطقة.
إن ترشيد الإنفاق العام لا يعني حرمان أي منطقة من حقها في التنمية، وإنما يعني توجيه المال العام إلى المشاريع الأكثر أهمية والأكثر أثرًا، بعيدًا عن المحاصصة أو الضغوط الانتخابية. فالتخطيط العلمي، ووضع أولويات واضحة، وتشريع يضبط صلاحيات أعضاء مجالس المحافظات، هي الضمانة الحقيقية لنجاح تجربة اللامركزية وتحقيق تنمية متوازنة تخدم المحافظة بأكملها، لا جزءًا منها.