قراءة في رواية "دفقات مبعثرة" للكاتبة بلقيس الفارسية

{title}
راصد الإخباري -



الحقيقة لا تهدى لكنها تكتشف أحيانا لا تكون جوابًا، بل راحة تهبط بعد صبر طويل هذا ما بدأت به الكاتبة نصها "موعد مع الحقيقة" وما علمت أننا دومًا على موعد مع الحقيقة حتى وإن لم نبصر ذلك دونما وعي تأتي الحقائق كضوء الشمس مبددة كل الغيوم المتكثفة بفعل الظروف والتراكمات.
    مريم غسان المصري الروائية الواعدة التي بدأت في أول تجربة روائية لها بداية موفقة سواء بأسلوبها المميز والأحداث الشيقة، والموضوع الجريء المختلف للرواية.
    هذا المؤلف المحمل بالكثير من الحنين والاشتياق والحزن والحيرة وغيره من العواطف والمشاعر التي أثرت النصوص ومنحتها طابع القرب والجذب، فشدت القارئ لتتبع الأحداث متشوقًا لمعرفة الجديد ومتلهفا لكشف النهاية.
    بذكاء وحنكة كتبت الروائية نصوصها محملة بالإرادة والأمل والإصرار؛ فأكثر ما تميزت به قصتها "قوة الكلمة وأثرها"، ناهيك عن الحكمة الواضحة والجلية في معالجة المواقف ففي عز أزمتها وكي لا تنهار هربت إلى الخيال لأخذ قسط من الراحة وحين شعرت أنها آيلة للسقوط قررت المواظبة لنيل الماجستير وخلق الفرصة بذكاء والبعد عن اليأس..
     من الأفكار المؤلمة والعميقة (البحث عن وطن بمسمى أب) و(الطعام هو الحب)، أما عن الأب هذه الشخصية المختلفة قالت: "الأب هو الجدار الذي لا يلين ولا قيمة للأوراق الثبوتية". لقد أعادت الروائية للبنوة قيمتها المعنوية وربما هذا ما تفتقده العديد من الأسر في وقتنا الراهن، وفي الأم قالت: "ليست الأم التي تلد، بل التي تعتني".
    لقد أضاءت الكاتبة في نصوصها على الكثير من القضايا المهمة كالزواج المبكر وتبعاته، بالإضافة لتعدد الزوجات وأثره السلبي على الزوجة الأولى خاصة إذا ما حملت عبء الأبناء على كتفيها لوحدها.
    رغم حرمان البطلة من مشاعر الأبوة والأمومة، لكن بوعيها المبكر تفهمت حالة الأم وما تعانيه نتيجة الظروف.
    إن "دفقات مبعثرة" رواية مليئة بالصور البديعة والتشابيه العميقة التي تبشر بروائية مبدعة سيلمع نجمها في سماء الأدب "رائحة كتفه كانت تشبه المطر الأول بعد صيف طويل".
    حين تبحر بين السطور وتجدف بلهفة لتشق الأحداث ستجد مواجهة الواقع أمرًا حاسمًا فالحقيقة كالشمس لا يطفئها الظلام وستدرك أن الضعفاء حين يصبحون أشرارًا يتفننون في تعذيبهم للآخر.
     لقد كان الوجدان حاضرًا وفاعلًا فبعث الحياة رغم الظلم وكان الحس ملتهبًا باحثًا عن الحقيقة فتجلت بأبهى حلة.
    في تلك الغرفة المظلمة من زوايا اللاوعي حيث لا يتسلل الضوء سوى من شقوق الوعي الذي صدعته التجارب وذكريات جلست مريم ترتشف حلاوة التاريخ بمرارة وعيناها تتلألأ مضيئة منحنيات مليئة بالأحداث.
    لقد كانت هذه الرواية إجابة نتاج تساؤلات فكرية ونفسية كثيرة؛ فنهضت البطلة من صخب الأسئلة، وضجيج الخيال لتنطلق نحو النور الساطع ولتبلغ القمة في وصول 'الأنا' المتزنة رغم كل ما قبلها من أحداث وظروف هدامة.
    أخيرًا...
    لقد قدمت الروائية مريم المصري المقاربة النفسية وثنت بالبعد المكاني مما أسدل وشاحًا جميلًا مزركشًا بالصور والدلالات والعبر الممتعة وهذا نتاج خيال واسع ودراية توظيف، فاستطاعت جذب القارئ بأسلوب شيق وهادف ضمن ثلاثية: الألم، والحيرة، والأمل.
    ففي هذه الرواية نجد دقة الوصف، وجمال الرصف، وسعة المشهد، وعمق المعنى، وجمال الحبكة، واتساع الخيال، وروعة الاستعارة. لقد استطاعت الروائية أن تنقلنا ببراعة لنعيش معها فصول الكتاب، ونتناغم مع الأحداث، ونتلمس مشاعرها، ونستوعب أفكارها وكأننا داخل النصوص..
    وهنا أسجل شهادتي بكل موضوعية وتجرد متمنية لها كل التوفيق في قادم الأيام.
     لتلك النفس التي اشتهت الفرح، ولتلك الروح التي جاهدت لتتعلم فن التجاوز، فخاب ظنها حينًا وخانتها الدموع أحيانًا إلا أنها بلغت القمة معلنة أنه لا مكان للحزن حين يشرق الأمل من جديد، كل المحبة والدعم والدعاء بمستقبل مزدهر بإذن الله تعالى....