السعودية ترسم مسارا فريدا في السيادة الرقمية

{title}
راصد الإخباري -

في عالم تتزايد فيه المنافسة بين الدول لامتلاك البيانات وتعزيز القدرات التقنية، اختارت السعودية رسم مسار رقمي خاص بها برؤية استراتيجية طموحة. أطلقت المملكة منظومة متكاملة من السياسات والاستثمارات والشراكات النوعية، لتتحول إلى نموذج عالمي في التحول الرقمي، وتحقق درجة 94 من 100 في مؤشر الجاهزية الرقمية العالمي الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات.

أهمية هذا الرقم تكمن في كشفه عن تحول عميق في طريقة تفكير السعودية في السيادة الرقمية، حيث لم تعد مجرد درع واقية للبيانات، بل أصبحت محركا حقيقيا للنمو الاقتصادي وأداة لصناعة المستقبل.

قال أيمن الراشد، نائب الرئيس الإقليمي لشركة "آي بي إم" في السعودية، إن هناك خطأ شائعا في النظر إلى السيادة الرقمية باعتبارها مسألة تقنية تتعلق بمكان تخزين البيانات. أوضح الراشد أن السيادة الرقمية هي قدرة تشغيلية متكاملة تشمل قدرة المؤسسات على التحكم في بياناتها وحوكمتها وتشغيل أنظمتها الرقمية ونتائجها بثقة واستمرارية على المدى الطويل.

أضاف الراشد أن هذا التعريف الموسع يمنح السيادة الرقمية أبعادا أعمق بكثير مما يبدو عليه في ظاهره، فهي ليست جدارا يحول دون خروج البيانات، بل هي نظام حوكمة متكامل يضمن المساءلة وضوابط الوصول والرقابة وقابلية التدقيق، بما يحافظ على موثوقية الأنظمة الرقمية وقدرتها على التوسع بأمان وامتثال.

أكد محمد طلعت، نائب الرئيس لمنطقة السعودية ومصر وشمال أفريقيا وبلاد الشام في "ديل تكنولوجيز"، أن المملكة ترجمت هذا النهج إلى واقع ملموس من خلال أطر تنظيمية واضحة، في مقدمتها نظام حماية البيانات الشخصية، الذي أسهم في خلق بيئة تعزز التوسع العالمي مع ضمان السيطرة الصارمة على البيانات. بين طلعت أن المملكة عملت على تعزيز جاذبيتها للشركات التقنية الدولية عبر المناطق الاقتصادية والحوافز الضريبية والشراكات مع مزودي الخدمات السحابية.

أشار الراشد إلى أن قطاع التقنية المالية يمثل النموذج الأوضح على الدور التحويلي للسيادة الرقمية في الاقتصاد السعودي، حيث شهد هذا القطاع تضاعفا لافتا خلال السنوات القليلة الماضية، وأن السيادة الرقمية كانت أحد العوامل الجوهرية التي مهدت لهذا النمو.

أوضح الراشد أنه حين أصبح من الممكن معالجة البيانات المالية الحساسة وتخزينها داخل المملكة ووفق الأطر التنظيمية المحلية، ارتفعت ثقة المستثمرين والبنوك وشركات التأمين والعملاء النهائيين في التعامل مع حلول التقنية المالية. وبين أن السيادة الرقمية أزالت أحد أكبر العوائق التي كانت تثبط نمو هذا القطاع، وهو القلق المتعلق بمكان وجود البيانات الحساسة ومن يتحكم فيها.

أضاف الراشد أن "آي بي إم" قدمت حلولا سحابية سيادية وهجينة تتيح للمؤسسات المالية الاحتفاظ بالبيانات الحساسة محليا، مع الاستفادة في الوقت نفسه من قدرات السحابة المتقدمة، مما مكّن شركات التقنية المالية من تحقيق توازن عملي بين سرعة الابتكار والامتثال الصارم للأنظمة دون التضحية بأي منهما.

أوضح الراشد أن السيادة الرقمية أسهمت أيضا في تغيير قواعد اللعبة لصالح الشركات الناشئة السعودية، حيث مكّن تخزين البيانات ومعالجتها داخل المملكة ضمن أطر تنظيمية واضحة هذه الشركات من الانطلاق والنمو وهي متوافقة مع الأنظمة منذ اليوم الأول.

بين الراشد أن السيادة الرقمية عززت ثقة العملاء والشركاء في الحلول المحلية، وانعكس ذلك اقتصاديا في تسريع تبني المنتجات الرقمية، وزيادة فرص التوسع في قاعدة العملاء، وتحسين القدرة على جذب الاستثمارات وبناء شراكات مع مؤسسات كبرى، وتعزيز فرص تحقيق إيرادات مبكرة.

يرى الراشد أن أبعد تأثيرات السيادة الرقمية يتمثل في تحسين جاهزية الشركات الناشئة للتوسع الإقليمي، فبناء الحلول الرقمية وفق معايير سيادية قوية داخل المملكة منح الشركات السعودية ميزة تنافسية واضحة، لا سيما مع تقارب السياسات التنظيمية في عدد من أسواق المنطقة.

أشار طلعت إلى أن المملكة نجحت في استقطاب كبرى شركات التقنية العالمية للاستثمار محليا دون أن تتنازل عن سيادتها على البيانات الوطنية، وذلك من خلال منح الشركات الدولية بيئة تنظيمية واضحة وحوافز جذابة، في مقابل ضمانات صارمة تكفل بقاء البيانات الحساسة تحت السيطرة الوطنية.

أضاف طلعت أن افتتاح "ديل تكنولوجيز" مركزا جديدا للدمج والتوزيع في الدمام عام 2024 يعكس نموذج تصبح فيه الشركات الدولية شريكة في بناء السيادة لا تهديدا لها.

توقع طلعت أن يكون الاقتصاد الرقمي السيادي الأكبر في الشرق الأوسط بحلول عام 2030، مع مساهمة متوقعة للذكاء الاصطناعي وحده بمبلغ 135 مليار دولار في الاقتصاد، مدعوما بسعة مراكز بيانات محلية تزيد عن 1.5 غيغاواط. تسعى المملكة إلى ترسيخ مكانتها مركزا عالميا للحوسبة السحابية وابتكار الذكاء الاصطناعي وتصنيع التكنولوجيا المستدامة.

يرى الراشد أن المملكة تمتلك فرصة حقيقية لتجاوز الدور المحلي نحو الإسهام في تشكيل نماذج رقمية سيادية عالمية، عبر منظومة متنامية من الشراكات المحلية والإقليمية والدولية.

أقر كل من طلعت والراشد بأن تحقيق هذه الرؤية يتطلب مواجهة تحد محوري، وهو سد فجوات المهارات البشرية، حيث يستلزم الأمر استثمارا متوازيا وعميقا في تطوير الكوادر السعودية القادرة على إدارة هذا المستقبل الرقمي وقيادته.

وفي الختام، تكشف تجربة السعودية أن السيادة الرقمية هي استراتيجية تمنح الدول والشركات القدرة على الانخراط في منظومة الابتكار العالمية من موقع القوة، لا من موقع التبعية.