ازمة مصداقية تفتح ابواب الفوضى المالية في بريطانيا
بدات ملامح الازمة البريطانية من قلب داونينغ ستريت، حيث لم يعد الاضطراب السياسي مجرد صراع على السلطة، بل تحول شرارة اشعلت فتيل ازمة مصداقية حادة تضرب جذور الثقة بالسياسة المالية للمملكة المتحدة.
اوضح تقرير اليوم ان ترنح الحكومة والغموض الذي يلف مستقبل القيادة السياسية وضع الدولة امام تحد وجودي، مبينا ان الفراغ في صناعة القرار لم يزعزع الاستقرار السياسي فقط، بل تحول قوة محركة فتحت ابواب الفوضى المالية عبر دفع تكاليف الاقتراض الى مستويات لم تشهدها البلاد منذ نحو 3 عقود، مما يهدد بانزلاق البلاد نحو فوضى مالية شاملة قد تصعب السيطرة عليها.
في غضون ذلك، اعلن رئيس الوزراء كير ستارمر صراحة رفضه الاستقالة وتمسكه بمقعده في 10 داونينغ ستريت، وردت الاسواق بموجة من القلق رفعت تكاليف الاقتراض الى مستويات غير مسبوقة، وسط تحذيرات من انهيار وشيك لسوق السندات، حيث شهدت عوائد الـ 30 عاما قفزة جنونية لتتجاوز حاجز 5.81 في المائة، وهو المستوى الاعلى منذ عام 1998.
بينما يمثل هذا الانفجار في العوائد علاوة مخاطر سياسية يفرضها المستثمرون الذين باتوا يخشون غياب الانضباط المالي، فالاسواق تسعر الان احتمالية تخلي اي قيادة مقبلة عن القواعد المالية الصارمة واللجوء الى الاقتراض المفرط لتمويل وعود انتخابية، مما يضع بريطانيا في مواجهة مباشرة مع خطر الانهيار المالي نتيجة الضربة المزدوجة المتمثلة في عدم اليقين السياسي وقفزة اسعار الطاقة العالمية التي تغذي التضخم.
اشار التقرير الى ان تداعيات الصراع السياسي لم تكن محصورة في ديون الدولة، بل امتدت لتطول العمود الفقري لحي المال في لندن، حيث دخلت اسهم البنوك الكبرى مثل باركليز ولويدز في نفق من النزف الحاد بنسب وصلت الى 4 في المائة، ويعكس هذا الهروب الجماعي مخاوف المستثمرين من لجوء السلطة في محاولتها امتصاص الغضب الشعبي الى رفع الضريبة الاضافية على البنوك من 3 الى 5 في المائة.
لفت التقرير الى ان هذا التوجه يحول القطاع المصرفي من محرك للنمو الى اداة لسد فجوات العجز المالي المتفاقم، مما يهدد بتأكل الهوامش الربحية واضعاف قدرة المصارف على ضخ السيولة في شرايين الاقتصاد في توقيت هو الاكبر حرجا.
على جبهة النقد، يواجه الجنيه الاسترليني ضغوطا وجودية بعد تراجعه الحاد الى مستويات 1.351 دولار، مسجلا اكبر هبوط يومي له منذ اكثر من شهر، ولا يتوقف اثر هذا التراجع عند حدود اسواق العملات، بل يمتد ليعمق ازمة التضخم المستورد، في وقت تشتعل فيه اسعار الطاقة عالميا، مما يضع بنك إنجلترا امام معضلة مستحيلة، اذ يجد صانعو السياسة النقدية انفسهم مضطرين الى المفاضلة بين رفع اسعار الفائدة لحماية العملة الجريحة وتعزيز جاذبيتها، وبين خطر تفاقم الركود الاقتصادي وزيادة اعباء الرهن العقاري على العائلات.
بين التقرير ان استمرار ضعف الاسترليني بالتزامن مع تلاشي امال السلام في الشرق الاوسط وتصريحات ترمب القاتمة يجعلان من السيطرة على الاسعار عنيدة المنال ويضعان العملة البريطانية في مهب ريح عدم اليقين السياسي.
كشفت التقارير ان الخطورة الكبرى تكمن في فقدان بريطانيا جاذبيتها بوصفها وجهة استثمارية امنة، حيث تلاشت التزامات القواعد المالية الحديدية التي كانت تضمن استقرار المديونية، وتخشى الاسواق اليوم ان تتحول الحكومة الى بطة عرجاء تفتح صنابير الانفاق العشوائي لشراء الولاءات السياسية، مما يحول بريطانيا اقتصادا يعاني من مخاطر هيكلية تشبه تلك في الاسواق الناشئة، وبما ان بريطانيا تملك حاليا اعلى تكاليف اقتراض في مجموعة السبع فان استمرار هذا الشلل السياسي سيعني حتما استنزاف الثروة الوطنية لمصلحة خدمة الدين بدلا من استثمارها في مستقبل البلاد.







