الدبيبة يتمسك بالدستور ويثير جدلا جديدا حول الانتخابات في ليبيا
أظهر رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، تمسكه بضرورة اعتماد الدستور الليبي أولا، مبينا أنه السبيل الوحيد لإجراء الانتخابات العامة، وأضاف أنه يرفض رفضا قاطعا وصول من وصفهم بـ«العسكر» إلى سدة الحكم.
أعادت تصريحات للدبيبة، الأسبوع الماضي، بشأن الدستور، حالة من الجدل إلى البلاد، وكشف متابعون أنه اكتنفها «التناقض»، موضحين أنه يتمسك بتفعيل الدستور وضرورة إقراره قبل الانتخابات، وفي الوقت نفسه ينخرط وفد تابع لحكومته في اجتماعات لجنة «4+4» الأممية المعنية بصياغة قوانين انتخابية تمهيدا لإجراء الاستحقاق.
في هذا السياق، وصف عضو مجلس النواب الليبي، عمار الأبلق، تصريحات الدبيبة بـ«المتناقضة»، متسائلا: «على ماذا يتفاوض وفد الدبيبة في اجتماعات اللجنة الأممية إذا كان متمسكا بالدستور؟».
لفت الأبلق في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن وفد الحكومة اجتمع في روما مع وفد ممثل للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، وتساءل: «لماذا يرتضي التفاوض مع من يصفهم بالعسكر؟».
تعيش ليبيا انقساما سياسيا منذ سنوات بين حكومتين متنافستين: «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة في طرابلس غرب البلاد، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض مناطق الجنوب الليبي، وتحظى بدعم حفتر.
يرى الأبلق أن عودة الدبيبة إلى التلويح بملف الدستور أولا تهدف إلى «عرقلة» نتائج لجنة «4+4» الأممية، معتقدا أن «انخراط القوى الفاعلة شرقا وغربا في المبادرة الأميركية واللجنة الأممية جاء تفاديا لإغضاب واشنطن لا عن قناعة».
يعتقد أن الدبيبة «ربما يخشى نجاح اللجنة الأممية في تجاوز معضلة القوانين الانتخابية التي أعاقت الانتخابات سنوات، والتي لو تمت فستزيح السلطات الموجودة كافة من المشهد السياسي، فأراد استباق النتائج للحفاظ على موقعه، مع تطمين أنصاره الغاضبين في المنطقة الغربية، وأيضا إظهار قدرته على تحريك الشارع هناك أمام المجتمع الدولي».
بدوره، رأى الناشط السياسي الليبي أحمد التواتي أن «التلويح بالدستور هو محاولة استباقية لعرقلة أي مسار انتخابي تفرزه اللجنة الأممية».
لفت التواتي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «العرقلة تتم دائما عبر الدفع بخيارات تبدو أكثر قانونية، مثل الاستفتاء على مسودة الدستور الصادرة عام 2017، رغم إدراك الجميع صعوبة تحقيق ذلك، لوجود خلافات غير هينة حولها في المجتمع».
يصف التواتي المشهد الراهن بأنه «ساحة للتلاعب بالتصريحات السياسية، إذ يوجه كل طرف خطابا للاستهلاك المحلي لإرضاء مؤيديه بعيدا عما يجري فعليا».
أوضح: «صمت القوى الفاعلة وتحفظها أو رفضها الإقرار بتبني مبادرة بولس لكونها بالأساس تعد تقاسما للسلطة والثروة بينهما فقط، وهو ما يولد عداء متزايدا من بقية القوى الموجودة بالساحة الرافضة إقصاءها»، مشيرا إلى مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي.
في المقابل، وبمعزل عن التشكيك في نوايا الدبيبة، ثمنت عضو الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور، نادية عمران، «الدعوة مجددا لإقرار الدستور قبل الانتخابات»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن الاستفتاء على مسودة الدستور هو «أيسر الاستحقاقات لإمكانية إجرائه إلكترونيا».
أضافت أن ذلك «ليس مسؤولية حكومة (الوحدة) فقط، وإنما من الضروري تبنيه من كل الأطراف الفاعلة والمجتمع الدولي إذا ما رغبوا في حل معضلة تجديد الشرعية وحل الأزمة السياسية للبلاد».
يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن تصريحات الدبيبة جاءت «بوصفها رسالة سياسية تستهدف حماية موقعه عبر إعادة تموضعه داخل التيار المدني بالتأكيد على أولوية الدستور، دون أن تكون في الوقت ذاته إعلان قطيعة مع التفاهمات الاقتصادية القائمة بين دوائر نفوذ مقربة منه وقوى فاعلة مرتبطة بالقيادة العامة».
قال الشبلي لـ«الشرق الأوسط» إن تصريحات الدبيبة جاءت «لاحتواء الغضب المتصاعد مؤخرا بمواجهة المبادرة المنسوبة لمسعد بولس، من قِبَل قوى مدنية وعسكرية في غرب البلاد، وتحديدا مسقط رأسه مدينة مصراتة صاحبة الثقل والتأثير الواسع».
يعتقد الشبلي أن إشارة الدبيبة إلى الدستور والقوانين كانت «محاولة ذكية لإلقاء المسؤولية في ملعب لجنة (4+4) والمسارات الأممية، للبحث عن قوانين توافقية تُقبل من غالبية الليبيين باعتبارها مسؤوليتهم وليست اختصاصا مباشرا للحكومة، أي أنها مناورة جديدة تستهدف تهدئة الشارع وتحميل الآخرين عبء الاستحقاق المؤجل».
تقضي مبادرة بولس بتولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلا من محمد المنفي، مع إبقاء الدبيبة رئيسا لحكومة موحدة.







