السودان اليوم: ارتفاع اسعار الوقود والخبز يفاقم معاناة المواطنين

{title}
راصد الإخباري -

في أحد الأسواق الشعبية بمدينة أم درمان، لم تعد أصوات الباعة وازدحام المشترين هي المشهد المعتاد، بل حل مكانها صمت ثقيل وأسئلة يومية عن الأسعار التي تتغير بين ليلة وضحاها، وذلك في بلد أنهكته الحرب وبدأت ارتدادات التوترات الإقليمية تضغط بقوة على معيشة المواطنين.

نقل مراسل صورة قاتمة من سوق محلي في كرري شمالي أم درمان، لواقع اقتصادي يتدهور بوتيرة متسارعة، مع ارتفاع أسعار الوقود في السودان منذ اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية وحركة الأسواق.

داخل السوق الذي بدا أقل ازدحاماً من المعتاد، تحدث أحد تجار السلع الاستهلاكية عن قفزات وصفها بـ"الخيالية"، مؤكداً أن معظم السلع تضاعفت أسعارها خلال فترة قصيرة.

قال التاجر إن "شوال الأرز" الذي كان يباع بنحو 35 ألف جنيه سوداني وصل اليوم إلى ما بين 65 و70 ألفاً، بينما ارتفع سعر البصل من نحو 45 ألفاً إلى قرابة 95 ألف جنيه، في وقت قفز فيه سعر الزيت والدقيق والبقوليات إلى مستويات غير مسبوقة.

أوضح التاجر أن الركود بات السمة الأبرز للأسواق، قائلاً إن الزبائن يدخلون في حالة صدمة يومية بسبب تغير الأسعار السريع، مضيفاً أن بعض السلع بدأت تختفي من الأسواق أو أصبحت نادرة، مثل أنواع من الحليب والزيوت التي ارتفعت أسعارها بصورة حادة خلال أيام قليلة فقط.

ولم يكن التجار وحدهم من يواجهون الأزمة، إذ بدا المواطنون أكثر قلقاً من أي وقت مضى مع تآكل قدرتهم الشرائية وثبات دخولهم الشهرية، ووصف أحد المواطنين المشهد بأنه "معاناة فوق ما تتخيل"، موضحاً أن المبالغ التي كانت تكفي أسرة صغيرة لأيام لم تعد تكفي اليوم سوى لساعات قليلة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والخبز والغاز ووسائل النقل.

قال المواطن، الذي يعمل في تجارة السيارات، إن أسعار البنزين ارتفعت بصورة متواصلة، ما دفع بعض الناس للتفكير في استخدام الدراجات الكهربائية كبديل أقل تكلفة، بينما أصبحت حتى الاحتياجات الأساسية مثل الخبز والغاز واللحوم عبئاً يفوق قدرة كثير من الأسر.

وفي سوق اللحوم، بدا التأثير أكثر قسوة، حيث أكد تاجر لحوم أن سعر كيلو الضأن وصل إلى ما بين 45 و48 ألف جنيه، بينما بلغ سعر لحم العجالي نحو 30 ألفاً، مشيراً إلى أن المواطنين باتوا يشترون "بالربع والنصف" بعد أن كان الشراء بالكيلو هو القاعدة المعتادة.

أضاف التاجر أن الحركة التجارية تراجعت بصورة حادة، وأن كثيراً من الزبائن لم يعودوا قادرين على شراء احتياجاتهم اليومية، ما اضطر بعض الباعة إلى ابتكار طرق بيع جديدة تتناسب مع القدرة الشرائية المنهارة للمواطنين.

أما أصحاب المهن اليومية، فبدوا الأكثر تضرراً من موجة الغلاء المتصاعدة، وتحدث سائق "ركشة" عن صعوبة تأمين تكلفة الوقود والزيوت اللازمة للعمل، قائلاً إن ما يجنيه بالكاد يغطي المصروفات الأساسية، بينما تبقى احتياجات أسرته ومدارس أطفاله عبئاً ثقيلاً في ظل الغلاء المستمر.

ورغم القسوة التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية، بقيت بعض العبارات البسيطة تختصر حال السودانيين، وسيدة مسنة كانت تبيع في السوق رددت بهدوء "صابرون على الصبر"، في عبارة بدت وكأنها تلخص واقع شعب يواجه ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، وضبابية المستقبل، بالصبر وحده.

مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الضغوط الاقتصادية، يخشى سودانيون من أن تكون موجة الغلاء الحالية مجرد بداية لأزمة أعمق، خصوصاً مع استمرار التوترات الإقليمية التي تلقي بظلالها الثقيلة على بلد يعيش أصلاً واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والإنسانية.