الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لتعزيز العلاقات الثنائية
كشفت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين. أليس روفو. إلى الجزائر عن ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها. وأكدت رسالة خطية بعث بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون وجود مؤشرات قوية على رغبة باريس في إنهاء القطيعة.
أعلنت روفو. عقب انتهاء محادثاتها مع تبون. أن الحكومة الجزائرية وافقت على استئناف اجتماعات «اللجنة المشتركة للمؤرخين المعنية بملف الذاكرة». وأوضحت أن اللجنة كانت قد توقفت بسبب التوترات بعد إنجازها أعمالاً وُصفت بـ«المهمة» في «ملف مصالحة الذاكرتين».
أشارت روفو إلى أنها بحثت مع الرئيس الجزائري ملف التعاون القضائي. وذلك بالإضافة إلى التعاون الأمني وملف الهجرة اللذين استؤنفا منذ زيارة وزير الداخلية. لوران نونيز. إلى الجزائر في فبراير الماضي. وألمحت إلى مطالب جزائرية تخص تسليم ملاحقين قضائياً أدانتهم محاكم جزائرية بتهم تتعلق بـ«الفساد» و«المس بالوحدة الوطنية».
قالت روفو: «أدرك جيداً مدى أهمية هذا الملف بالنسبة للسلطات الجزائرية». مؤكدة «وجود إرادة مشتركة لجعل الأشهر المقبلة مثمرة في علاقاتنا. مع العمل بهدوء ومثابرة».
أشارت روفو إلى وجودها في سطيف بشرق الجزائر للمشاركة في الاحتفالات الرسمية بذكرى «مجازر 8 مايو 1954» التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي. وأضافت أنها تأثرت «تأثراً بالغاً بحفاوة الاستقبال في سطيف». ووصفت ذلك بأنه كان «استقبالاً دافئاً شعرت به كما شعر به الوفد المرافق لي. ونحن ندرك تماماً ما تمثله ماساة 8 مايو 1945 بالنسبة للشعب الجزائري».
فيما يخص العلاقات الرسمية بين البلدين. قالت روفو: «لقد كلفني الرئيس ماكرون بتبليغ عزمه على إيجاد السبل والوسائل الكفيلة باعادة ارساء علاقة تتسم بالاحترام بين بلدينا. تقوم على الندية. وتكون هادئة ومبنية على الثقة».
كما أشارت إلى أنها ناقشت مع الرئيس الجزائري العلاقات الثنائية في ظل «سياق التوترات الدولية. سواء في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. أو في منطقة الساحل. أو مع ازمة الطاقة العالمية والتحديات في منطقة البحر المتوسط». مؤكدة ضرورة وجود حوار مستمر.
أضافت روفو: «هدفنا هو تحقيق نتائج سريعة. لذا ناقشنا مسارات ملموسة لتكون الأشهر المقبلة مفيدة لمصالحنا وللعلاقات بين الجزائر وفرنسا».
أوضحت روفو أن المحادثات شملت التعاون في مجالي الأمن والدفاع اللذين قالت إنهما كانا محل نقاش طويل مع الفريق أول سعيد شنقريحة. الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني. رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي. ووصفت هذا التعاون بأنه «مهم جداً في ظل سياق افريقي ودولي يتسم بعدم الاستقرار».
ذكرت روفو أن الجانبين تطرقا أيضاً إلى التعاون في مجال الهجرة. مؤكدة أن فرنسا «ترحب باستئناف هذا التعاون عقب زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر».
أكدت روفو أن الجانبين بحثا سبل تكثيف التعاون. لا سيما في المجال القضائي ومكافحة تهريب المخدرات. وعدت هذا الجانب «حيوياً جداً لكلا البلدين». وشددت على «أهمية مواصلة الاجندة التي اتفقنا عليها. وحددناها معا. والتي يامل رئيس الجمهورية تنفيذها في الأشهر المقبلة لجعلها سنة مثمرة».
شهدت زيارة روفو حضوراً لافتاً للسفير الفرنسي بالجزائر. ستيفان روماتيه. العائد لممارسة مهامه بعد عام من الفراغ الدبلوماسي الذي أعقب بلوغ التوتر ذروته بين البلدين جراء تداعيات انحياز فرنسا إلى المغرب في نزاع الصحراء في صيف 2024.
يرى مراقبون أن تصريحات الوزيرة الفرنسية رسمت «خريطة طريق» للمرحلة المقبلة. بعد اتفاق الطرفين على تجاوز حقبة الخلافات.
ووفق مصادر جزائرية مطلعة. شكلت محادثات الوزيرة الفرنسية في الجزائر فرصة سانحة لطرح حزمة من الملفات الاستراتيجية التي صاغها خبراء جزائريون وفرنسيون لتكون حجر الزاوية في بناء التقارب.
أفادت المصادر أن النقاش في الملف الأمني أخذ حيزاً واسعاً من المحادثات. خصوصاً مع اعتراف باريس الضمني على لسان مسؤوليها بأن «سياسة التوتر مع الجزائر» لم تعد منتجة. وأن الحاجة لاستعادة الحوار الأمني أصبحت ملحة لاحباط التهديدات الارهابية العابرة للحدود.
أوضحت المصادر أن الجانب الجزائري ركز على ضرورة تبادل المعلومات الاستخباراتية حول شبكات المتشددين. وتكثيف التنسيق الميداني في منطقة الساحل التي تواجه تدهوراً خصوصاً مع تسارع المواجهات في مالي. مشيرة إلى أن التعاون الأمني ضرورة وجودية للطرفين لا مجرد خيار دبلوماسي.
اقتصادياً. تجاوزت المباحثات سياق دعم الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية إلى طرح الجانبين رؤية أكثر براغماتية تهدف إلى حماية مصالحهما وتوسيع الاستثمارات. مع سعي الجزائر لانتزاع دعم فرنسي صريح لاعادة التفاوض حول «اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي» بما يضمن توازناً تجارياً عادلاً.
يبقى ملف «السيادة والذاكرة» المظلة الكبرى لتحركات الجزائر في اتجاه تطبيع العلاقات. إذ تصر على احترام قرارها السيادي وعدم التدخل في شؤونها. مع ضرورة احداث اختراق حقيقي في قضايا الذاكرة العالقة و«الممتلكات المنهوبة» في عهد الاستعمار (1830-1962). وحسم ملف المعارضين المقيمين في فرنسا والمطلوبين لدى القضاء الجزائري. وعلى راسهم اليوتيوبر امير بوخرص.







