الحرب تعمق ازمة العمالة و المشاريع المتعطلة في ايران
يشكو ارشام (58 عاما) وهو احد عمال المياومة من تدهور سوق العمل اليومي في العاصمة طهران جراء الحرب الاخيرة على بلاده، مبينا ان اليوم العالمي للعمال حل هذا العام في لحظة استثنائية وحرجة جدا بعد مرور 40 يوما من القصف الامريكي الاسرائيلي الذي قلب الحياة الاقتصادية في ايران راسا على عقب، مؤكدا انهم يقفون على خط التماس الاول لازمة معيشية طاحنة.
وامام ورشة بناء متوقفة بشارع ايرانيت جنوبي طهران، يتامل ارشام المشروع السكني الذي كان يعمل فيه قبل الحرب، موضحا للجزيرة نت بصوت خفيض انه منذ اليوم الاول للحرب (28 فبراير/شباط الماضي) لم يتلق اجرا، وانه قبل الحرب كان يعمل 5 ايام في الاسبوع على الاقل، اما اليوم فلا شيء.
ارشام ليس سوى واحد من الاف العمال اليوميين الذين يتلقون اجورهم يوما بيوم، والذين كانوا اول من دفع ثمن اندلاع الحرب، وقد يكونون اخر من سيشملهم اي تعاف اقتصادي.
اوضح غلام حسين محمدي مساعد وزير العمل الايراني ان حرب رمضان قضت على اكثر من مليون وظيفة حتى الان، فضلا عن مليوني وظيفة اخرى تبخرت بشكل مباشر وغير مباشر، في حين يكشف الناشط العمالي حميد حاج اسماعيلي عن فجوة شاسعة بين الارقام الرسمية للبطالة والواقع المعيش في الشارع الايراني.
وفي تصريح تناقلته الصحافة الايرانية، يؤكد حاج اسماعيلي انه اذا احتسبنا العاملين في المنصات الرقمية والفضاء الافتراضي والسوق غير الرسمي، فان العدد الحقيقي للعاطلين يقفز الى ما بين ثلاثة واربعة ملايين شخص، عازيا السبب وراء زيادة البطالة الى الموجة التضخمية العاتية التي سبقت القصف، والحرب بما حملته من قصف ودمار وعدم يقين ومخاطر سياسية وامنبة هائلة عصفت بسوق العمل من جذوره.
وللوقوف على احوال عمال المياومة، زارت الجزيرة نت احد مقرات تجمعهم جنوبي طهران، وقال عبد الله (34 عاما) ان واقع سوق العمل اليومي اضحي اشد قسوة، حيث يمرون باحلك الظروف، مشيرا الى ان الحرب ضربت سوق العمل في الصميم بعد ان دمرت البنية التحتية الصناعية وتوقفت الاف المصانع عن الانتاج، كما ان حالة اللاحرب واللاسلم الحالية فاقمت من تجميد المشاريع الانشائية.
وفي حديث للجزيرة نت، يشير عبد الله الى تحول لافت يزيد من قتامة الصورة قائلا انه مؤخرا خاصة بعد وقف اطلاق النار، اعداد العمال الذين يبحثون عن عمل يومي في تزايد مستمر، موضحا ان الساحات التي كان يتجمع فيها العمال صباحا بحثا عن معيل لم تعد تتسع للعمال الجدد، حيث انضم اليهم عمال مسرحون وحرفيون اغلقت ورشهم ومهنيون فقدوا عقودهم ليتحول جميعا الى عمال مياومة يتنافسون على فرصة عمل.
وردا على سؤال بشان الوجوه الجديدة التي انضمت الى طوابير العمال اليوميين، يقول كامران (27 عاما) وهو عامل يومي اخر، ان اصحاب الشهادات الجامعية والموظفين السابقين لا ياتون عادة الى هنا.
ويشرح كامران للجزيرة نت ان هؤلاء يستخدمون سياراتهم الخاصة وينضمون للعمل في تطبيقات سيارات الاجرة على الانترنت الوطني (انترنت معزول عن شبكة الانترنت العالمية ولا يستخدم سوى من هم داخل ايران).
وللوقوف على صحة ما قاله كامران انتقلنا الى ساحة نماز في طهران، حيث يوضح احد الموظفين الاداريين في هذا القطاع للجزيرة نت بالقول انه في شوارع طهران اليوم يجلس خلف كل مقود سيارة اجرة عبر تطبيقات النقل قصة مهنية منكسرة، مدرس لغة فقد فصوله الدراسية ومهندس مدني جمدت مشاريعه وحرفي سرح بعد قصف ورشة عمله.
واضاف المتحدث نفسه انهم يتحولون الى سائقين صامتين يحملون شهاداتهم في الادراج ويطاردون الزبائن بحثا عن اجر يومي يحفظ ماء الوجه ويؤجل الانهيار المعيشي الكامل.
ولمعاينة البنية الاجتماعية والمستوى التعليمي لسائقي تطبيقات النقل الذكي، قام مراسل الجزيرة نت بطلب رحلة عبر احد هذه التطبيقات، وما ان انطلقت الرحلة حتى بدا السائق بلكنته الطهرانية الواثقة في الحديث عن ايام ما قبل الانقطاع عن العالم الخارجي والقيود المفروضة على شبكة الانترنت.
وكشف السائق للجزيرة نت انه حاصل على شهادة الماجستير في تدريس اللغة الانجليزية، مضيفا انه كان يدير فصولا افتراضية لطلاب من داخل ايران وخارجها محققا دخلا يضعه في خانة الطبقة الوسطى الصاعدة، لكن منذ ان قطعت شبكة الانترنت قبل نحو 4 اشهر تبخر كل ذلك بين ليلة وضحاها على حد قوله.
ويشير السائق الى هاتفه المثبت على الزجاج الامامي وهو يقول للجزيرة نت بصوت لا يخلو من مرارة انه لم يعد لديه طلاب، كلهم اختفوا، من تبقى منهم في الداخل لا يملك مالا للدروس ومن كانوا في الخارج انقطعوا عني تماما كانهم لم يكونوا، الانترنت كان صفي ومكتبي وراتبي قطعوه فانقطع رزقي.
ويؤكد السائق ان الوضع الجديد يختصر صورة سقوط شريحة كاملة من المهنيين الشباب في هاوية اقتصاد ما بعد الحرب.
ومن هناك الى حي طهران نو شرقي العاصمة الايرانية، خرجت شهادات نسائية مثقلة بالوجع لتكشف ان تكاليف الحرب لا تقتصر على الخراب المادي، بل تمتد الى تفكيك هشاشة اجتماعية كانت اساسا على حافة الانهيار.
وتقول حميرا (56 عاما) للجزيرة نت ان نسبة كبيرة من فرص العمل المفقودة تركزت في اوساط النساء المعيلات لاسرهن، مما يعني دفعهن نحو هاوية البطالة.
وتتقاطع هذه الشهادة الميدانية مع تصريحات صادرة عن زهراء بهروز اذر معاونة الرئيس الايراني لشؤون النساء والاسرة، كشفت فيها النقاب عن ارقام رسمية تشخص حجم الكارثة التي تعاني منها النساء بهدوء.
واعلنت المسؤولة الايرانية ان قرابة ثلث المسجلين في مظلة التامين الاجتماعي ضد البطالة هم من النساء، وهو رقم وصفته بـ اللافت قياسا على نسبة مشاركتهن في سوق العمل الرسمي مقارنة بالرجال.
وفي تطور يعكس عمق الازمة الناجمة عن الحرب الاخيرة على ايران، خرج العديد من المسؤولين الايرانيين لتوجيه نداءات مباشرة الى اصحاب العمل في محاولة لاحتواء موجة التسريح الجماعي.
وفي بيان صدر بمناسبة اليوم العالمي للعمال، دعا المرشد الاعلى اية الله مجتبى خامنئي الى خوض مواجهة اقتصادية واحباط مخططات اعداء الجمهورية الاسلامية.
وردا على بيان القيادة الايرانية العليا بمناسبة يوم العمال العالمي، خرج عزت الله ضرغامي الناشط السياسي والوزير الاسبق للارشاد والثقافة ليعلن ان المصانع والمراكز الرسمية هي المخاطب الاول لكلام قائد الثورة، في اشارة واضحة الى ان خطاب منع التسريح الجماعي للعمال يتجاوز كونه توصية اخلاقية ليتحول الى امر ملزم للمؤسسات التي تديرها الدولة بشكل مباشر او غير مباشر.
وفي محاولة لاستيعاب الغضب الشعبي، اثنى ضرغامي في منشور على منصة اكس على المؤسسات الاقتصادية المتضررة التي وصفها بـ المضحية، لانها استجابت لهذه التوصية الخيرة وامتنعت عن صرف العمال رغم الازمة.
ويضع ما قاله ضرغامي علامة استفهام حول ما اذا كانت سياسة التعطيل الموقت للتسريح ستنجح في لجم الاحتقان الاجتماعي، او ان تتحول المؤسسات الملتزمة بالتوصيات الى ضحايا جديدة لازمة تعصف بالاخضر واليابس.







