ازمة نفط تهدد اسيا بسبب هرمز

{title}
راصد الإخباري -

قال كاتب الرأي في بلومبيرغ ديفيد فيكلينغ إن الناس لا يدركون التحولات الكبرى في حياتهم إلا بعد فوات الأوان، واصفا الصدمات النفطية بأن آثارها الجذرية لا تفهم إلا بأثر رجعي.

ومع احتدام التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق محتمل لمضيق هرمز، كشفت ملامح صدمة طاقة جديدة قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، مبينا أن مركز هذه الصدمة سيكون في آسيا.

وفي مقاله التحليلي، أوضح فيكلينغ أن الأحداث الجارية تشبه إلى حد كبير أزمتي النفط في سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت التوقعات تشير إلى استمرار الطلب على النفط في أوروبا دون تغيير.

غير أن الواقع خالف التقديرات، حيث دفعت الزيادات الحادة في الأسعار أوروبا إلى التحول نحو بدائل الطاقة مثل الطاقة النووية والغاز، مما أدى إلى انخفاض استهلاك النفط بنسبة 20% بحلول منتصف الثمانينيات.

واليوم، تتكرر المؤشرات نفسها في آسيا، التي تعتمد بشكل متزايد على واردات الطاقة، مضيفا أن أكثر من 80% من النفط والغاز المارين عبر مضيق هرمز يتجه شرقا نحو الأسواق الآسيوية، مما يجعلها الأكثر عرضة لأي اضطراب في الإمدادات.

أضاف الكاتب أن هذه الهشاشة لم تعد مقتصرة على دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بل امتدت إلى اقتصادات ناشئة، موضحا أن فيتنام تحولت إلى مستورد صاف للطاقة، وأصبحت ماليزيا مستوردة للوقود رغم ثروتها النفطية، فيما تعتمد إندونيسيا على الواردات منذ أكثر من عقدين.

لفت المقال إلى أن أزمة الطاقة بدأت تضرب الحياة اليومية وتؤثر على المواطنين في آسيا، ففي سول، تجاوز سعر طبق النودلز الشعبي "كالغوكسو" 10 آلاف وون لأول مرة.

وفي اليابان، اقترب سعر طبق نودلز "الرامن" من ألف ين، وسط ارتفاع أسعار الغذاء، كما تواجه الحمامات العامة التقليدية ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف التدفئة.

بينما في دول آسيوية أقل ثراء، أظهرت التداعيات قسوة أكبر، حيث لجأت باكستان والفلبين وسريلانكا إلى تقليص أيام العمل الأسبوعية لتقليل استهلاك الوقود، فيما شهدت مانيلا إضرابات لسائقي الحافلات الصغيرة احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود.

لكن التأثير لا يتوقف عند حدود الاستهلاك الفردي، بل يمتد إلى قطاعات أوسع، فقد ارتفعت أسعار وقود الطائرات في سنغافورة إلى مستويات قياسية، مما دفع شركات الطيران في جنوب شرق آسيا إلى خفض رحلاتها بنسبة تتراوح بين 10% و15%.

وألغت الخطوط الجوية التايلاندية ثلثي رحلاتها اليومية بين بانكوك وسول، بينما فرض طيران كاثي باسيفيك رسوما إضافية تصل إلى 200 دولار على الرحلات الطويلة.

وفي الهند، يواجه المزارعون صعوبات في شراء الأسمدة بسبب ارتفاع أسعارها، بينما تعاني مدن مثل لاهور من انقطاعات كهربائية يومية في ظل تراجع إمدادات الغاز.

غير أن هذه الأزمة لا تقتصر على كونها صدمة سلبية، بل تمثل أيضا نقطة تحول نحو الطاقة النظيفة، ففي الهند، أدى نقص غاز الطهي إلى إقبال واسع على المواقد الكهربائية، فيما تضاعفت مبيعات السيارات الكهربائية المستعملة في أستراليا، وحققت الشركات الصينية حصة كبيرة من الحجوزات في معرض بانكوك للسيارات.

كما شهدت دول مثل الفلبين زيادة كبيرة في واردات الألواح الشمسية، مما رفع القدرة الإنتاجية للطاقة الشمسية بشكل ملحوظ.

ويؤكد الكاتب أن هذا التحول لم يكن مفاجئا تماما، بل جاء نتيجة مسار طويل من تراجع تكاليف الطاقة النظيفة وتقدم الصناعات الصينية في مجالات الطاقة الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية، ومع ذلك، فإن الأزمة الحالية قد تسرع هذا التحول بشكل غير مسبوق، على غرار ما حدث في أوروبا بعد صدمات السبعينيات.

وفي مقال آخر بصحيفة نيويورك تايمز، ركز كاتب العمود نيكولاس كريستوف على الأبعاد السياسية للأزمة، محذرا من سوء التقدير المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران.

ووصف الوضع بأنه مواجهة بين "نظامين استبداديين واثقين بشكل مفرط"، حيث يعتقد كل طرف أن الوقت في صالحه وأن الآخر سيتراجع قريبا.

وأوضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يصر على أن إيران على وشك الانهيار وأن الحصار الاقتصادي سيؤتي ثماره قريبا، وفي الجهة الأخرى، يرى القادة في طهران أن قدرتهم على تحمل المعاناة أطول من قدرة الإدارة الأمريكية على تحمل وطأة الضغوط الانتخابية التي تواجهها.

كما حذر محللون من أن الحصار البحري قد لا يدفع إيران إلى التراجع، بل إلى التشدد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية عالمية.

واستشهد كريستوف في هذا الصدد بتصريح للمحلل السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية داني سيترينوفيتش، قال فيه إن "من غير المرجح أن تتنازل طهران عن مطالبها الإستراتيجية الجوهرية، بل سيزداد النظام تمسكا بمواقفه وسط تصاعد التداعيات الاقتصادية العالمية".

وحذر الكاتب من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الاقتصاد العالمي، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، من الأدوية إلى الأسمدة، نتيجة تعطل طرق الشحن وإمدادات الطاقة.

وأشار المقال إلى أن إيران اقترحت اتفاقا أوليا لإعادة فتح مضيق هرمز، مع تنحية القضايا الأخرى جانبا لوقت لاحق، مثل البرنامج النووي، غير أن الولايات المتحدة لا تزال غير راضية عن هذا العرض في الوقت الحالي.

ويعتقد كريستوف أن "إيران قد تخرج بترتيب ما غير مستساغ" يتيح لها التربح من مرور السفن عبر مياهها الإقليمية، فيما تبقى الألغام قابعة في الجزء الرئيسي من المضيق، معتبرا أن ذلك سيكون أفضل من الإبقاء على الحصار البحري لأشهر.

فإذا أمكن التوصل إلى ذلك الاتفاق الأولي، فعلى ترمب أن يضمن الحفاظ على أوراق الضغط التي يمتلكها والمتمثلة في تخفيف العقوبات، من أجل الدفع نحو فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني.

المفارقة أن تهديدات ترمب الأولية بالحرب بدت وكأنها دفعت إيران إلى تقديم صفقة نووية مواتية للغاية في فبراير/شباط، ولكن بعد مرور شهرين على الحرب، يبدو أن كلا من إيران والولايات المتحدة يشعر بأنه في الموقف الأقوى.

ومع مواجهة احتمال تقديم تنازلات للطرف الآخر، قد يفضل كل منهما التأجيل أو التصعيد، بينما يظل الاقتصاد العالمي رهينة لهذا الصراع، حسب تعبير المقال.