مَنْ أَكُونُ؟

{title}
راصد الإخباري -


بقلم : ماسه فواز الصهيبه
كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَتَسَاءَلُ: مَنْ أَنَا؟
فِي كُلِّ صَبَاحٍ أَنْظُرُ إِلَى نَفْسِي فِي الْمِرْآةِ، وَأُحَدِّثُ ذَاتِي: مَاذَا سَأَكُونُ؟ هَلْ سَأَنْجَحُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؟ هَلْ سَأَكُونُ الْمَرْأَةَ الْمُتَمَيِّزَةَ النَّاجِحَةَ؟ أَمْ سَأَكُونُ ضَحِيَّةَ مَعَارِكِ الْحَيَاةِ؟

كَانَ سُؤَالٌ يَتْلُو سُؤَالًا، وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ سِوَى إِجَابَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَعْمَاقِي: أَنَّنِي أَنَا الْقَوِيَّةُ، وَأَنَّنِي سَأَنْجَحُ، وَسَأَهْزِمُ مَعَارِكَ الْحَيَاةِ. أَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تُوقِفُهَا الظُّرُوفُ، وَلَا تَعْرِفُ لِلْأَعْذَارِ طَرِيقًا.

وَلَكِنِّي أَدْرَكْتُ أَنَّنَا جَمِيعًا نَتَسَاءَلُ: مَنْ نَحْنُ؟ هَلْ أَنَا مَنْ صَدَرَ مِنِّي هَذَا التَّصَرُّفُ؟ كَيْفَ فَعَلْتُ هَذَا؟
أَحْيَانًا تَضَعُنَا الْحَيَاةُ فِي مَوَاقِفَ تَكْسِرُنَا؛ لِكَيْ تُعَلِّمَنَا وَتُقَوِّينَا. فَنَقُولُ: أَنَا الَّذِي تَحَدَّيْتُ، وَحَصَدْتُ، وَنِلْتُ. وَأَحْيَانًا نَقُولُ: لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ هَذَا مِنِّي.

كُلَّمَا رَكَّزْتُ عَلَى نَفْسِي أَكْثَرَ، تَعَرَّفْتُ إِلَيْهَا أَعْمَقَ؛ عَرَفْتُ مَا أُحِبُّ وَمَا لَا أُحِبُّ، وَمَيَّزْتُ مَنْ يُحِبُّنِي وَمَنْ لَا يُرِيدُ لِي الْخَيْرَ. وَأَصْبَحَ لِلْإِحْسَاسِ مَكَانُهُ حِينَ أَقُولُ: لَسْتُ مُرْتَاحَةً لِهَذَا الشَّخْصِ.

أَحْيَانًا نَعْرِفُ مَنْ نَكُونُ، وَلَكِنَّ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ اخْتَرْنَاهُمْ يُحَاوِلُونَ تَشْوِيهَ كِيَانِنَا وَهُوِيَّتِنَا. وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ عَنَّا شَيْئًا يَكُونُ قَوْلُهُ هُوَ الْحَقَّ. أَنَا وَحْدِي أَعْرِفُ مَنْ أَنَا، وَأَعْرِفُ قُدُرَاتِي. أَنَا أَسْتَطِيعُ، وَأَنَا جَمِيلَةٌ كَمَا أَنَا.

تَعَلَّمْتُ أَلَّا أَكْسِرَ نَفْسِي بِنَظْرَتِي إِلَى ذَاتِي. فَحِينَ أَقُولُ: "أَنَا”، أَتَذَكَّرُ مَا مَرَرْتُ بِهِ، وَكَيْفَ عَرَفْتُ مَنْ أَنَا. لَا أَنْسَى نَفْسِي مِنْ أَجْلِ كَلَامِ الْآخَرِينَ؛ فَفِي هَذِهِ الْحَيَاةِ سَأُوَاجِهُ الْكَثِيرَ.

سَأَسْأَلُ نَفْسِي دَائِمًا: هَلْ أَنَا الَّذِي يَبْكِي رَغْمَ أَلَمِهِ؟ هَلْ أَنَا الَّذِي يَضْحَكُ رَغْمَ حُزْنِهِ؟ هَلْ أَنْكَسِرُ أَمْ أَنْتَصِرُ؟
وَفِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ سَأَسْتَكْشِفُ نَفْسِي أَكْثَرَ؛ فَحَتَّى إِذَا وَصَلْتُ إِلَى نِصْفِ الطَّرِيقِ، سَأَظَلُّ أَتَسَاءَلُ: مَنْ أَنَا؟ مَنْ أَكُونُ؟ لِأَنَّنِي فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ عُمْرِي أَكْتَشِفُ شَيْئًا جَدِيدًا عَنِّي، وَحَتَّى تَفْكِيرِي يَخْتَلِفُ.

قِصَّةُ "مَنْ أَكُونُ” هِيَ قِصَّتِي، وَهِيَ أَيْضًا قِصَّةُ كُلِّ إِنْسَانٍ يَسْأَلُ نَفْسَهُ: مَنْ هُوَ؟ وَمَاذَا يُرِيدُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ؟ هَلْ وَصَلَ وَاكْتَفَى؟ أَمْ مَا زَالَ فِي الطَّرِيقِ؟

بَعْضُنَا لَا يَعْرِفُ مَنْ هُوَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ نَفْسَهُ فُرْصَةَ التَّعَرُّفِ عَلَيْهَا، بَلْ يَمْشِي خَلْفَ آراءِ النَّاسِ. وَأَعْتَقِدُ أَنَّ أَكْبَرَ خَطَأٍ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أَنْ نَجْهَلَ أَنْفُسَنَا، وَلَا نَعْرِفَ مَاذَا نُرِيدُ أَنْ نَكُونَ.

وَأَمَّا أَنَا… فَمَا زِلْتُ أَكْتَشِفُ مَنْ أَنَا، وَمَا الَّذِي يَنْفَعُنِي وَمَا الَّذِي يَضُرُّنِي. وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا فِي الْحَيَاةِ أَنَّنَا نَبْقَى نَبْحَثُ؛ لِنَعْرِفَ مَنْ نَكُونُ.