التدريب.. هل هو "ترف" مؤسسي أم هندسة لبناء الإنسان؟
راصد الإخباري -
بقلم: د. هيا جمعة
كثيراً ما استوقفني مشهد يتكرر في أروقة المؤسسات؛ قاعات فخمة، حقائب تدريبية أنيقة، ومدربون يسابقون الزمن لإنهاء شرائح العرض. لكن، خلف هذا المشهد المنظم، يبرز السؤال الجوهري الذي نتحاشى الإجابة عنه أحياناً: هل نحن "ندرب" حقاً أم أننا نمارس طقساً إدارياً لإسقاط الواجب؟
إن فلسفة التدريب الحقيقية، كما أراها من واقع الممارسة الميدانية، لا تبدأ من "نقل المعلومة"، بل من "زحزحة القناعات". المعلومة اليوم أصبحت مشاعة، متاحة بضغطة زر لمن يطلبها، لكن التدريب هو "الصنعة" التي تحول هذه المعلومة من مجرد مادة خام إلى سلوك بشري يغير وجه المؤسسة.
التدريب كـ "هندسة إنسانية"
في كل مرة أدخل فيها إلى القاعة التدريبية، أدرك أنني لا أتعامل مع متدربين، بل مع "مشاريع تغيير" مؤجلة. بناء الإنسان هو أصعب أنواع الهندسة؛ فهو يتطلب مدرباً يمتلك فلسفة خاصة، يدرك أن دوره ليس "ملء الكؤوس الفارغة"، بل "إشعال المصابيح المنطفئة".
المؤسسات التي تنظر للتدريب كبند في ميزانية المصاريف هي مؤسسات تخسر رهان المستقبل، أما تلك التي تراه "استثماراً في رأس المال الفكري"، فهي التي تبني حصوناً من الاستدامة.
فخ التلقين وضياع الأثر.
المشكلة التي يعاني منها الميدان اليوم هي "التدريب الساكن". نحن بحاجة إلى مدربين يجرؤون على الخروج من جلباب المحاضر التقليدي، ليصبحوا "عوامل تغيير". فلسفة التدريب الناجح هي التي تجعل المتدرب يخرج من القاعة وهو يشعر بـ "قلق إيجابي".. قلق يدفعه لتجربة ما تعلمه فوراً، لا أن يضع حقيبته التدريبية على الرف لتراكم الغبار.
ما وراء المحتوى.
لقد آن الأوان لنتفق على أن التدريب هو "رسالة إنسانية" قبل أن يكون مهنة. هو القدرة على ردم الفجوة بين "ما نعرفه" و"ما نفعله". وعندما نصل إلى هذه القناعة، ستتغير ملامح حقائبنا التدريبية، وستختفي لغة الأرقام الجافة لتحل محلها قصص النجاح الحقيقية التي يسطرها الإنسان داخل مؤسسته.
في النهاية، التدريب هو استثمار في أثمن ما نملك؛ "العقل البشري". وكلما زاد عمق الفلسفة التي ننطلق منها، زاد أثر التغيير الذي نتركه خلفنا. وفي النهاية، التدريب هو استثمار في أثمن ما نملك؛ 'العقل البشري'. وكلما زاد عمق الفلسفة التي ننطلق منها، زاد أثر التغيير الذي نتركه خلفنا.
لكن، وبينما نتحدث عن فلسفة بناء الإنسان، يبرز اليوم تساؤلٌ وجودي جديد يطرق أبواب القاعات التدريبية بقوة: أين يقع 'الذكاء الاصطناعي' من هذه المعادلة الإنسانية؟ هل جاء ليزاحم المدرب في كاريزمته، أم ليكون ذاك 'المساعد الذكي' الذي يمنح الحقيبة التدريبية روحاً وتفاعلاً لم نعهده من قبل؟
هذا ما سأحاول معكم تفكيك شيفراته في مقالي القادم.."







