اسقاط الطائرات الامريكية يبدد سردية الحسم السريع
بعد مرور 34 يوما على الحرب، كشف اسقاط الطائرتين الامريكيتين عن تحطيم الصورة التي روجت لها ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترمب، والتي مفادها ان ايران فقدت القدرة على الاضرار وان الحملة الجوية تقترب من نهايتها.
بين ان الحادثة لم تقتصر على خسارة في الميدان، بل كانت ضربة سياسية ونفسية في توقيت حساس، وذلك قبل يومين فقط من انتهاء مهلة السادس من ابريل التي هدد ترمب بعدها باعادة ايران الى العصر الحجري.
اكد ان الاهم في هذا التطور هو تزامنه مع تقارير استخباراتية امريكية تفيد بان طهران تعيد فتح المخابئ والصوامع التي قصفت خلال ساعات، مع استمرار سيطرتها على مضيق هرمز كورقة الضغط الاكثر فعالية لديها، وبذلك بدت الحرب وكانها دخلت مرحلة جديدة، حيث لم يعد السؤال مقتصرا على عدد الاهداف التي دمرت داخل ايران، بل هل استطاعت واشنطن فعلا حرمان طهران من القدرة على الصمود ام انها الحقت بها اضرارا جسيمة دون ان تنتزع منها اوراق الردع الاخيرة.
فجوة الخطاب والواقع
بين ان ابرز ما كشف عنه اسقاط الطائرتين هو الفجوة بين الخطاب الامريكي والواقع الميداني، حيث تحدثت واشنطن خلال الايام الماضية عن تراجع الهجمات الايرانية بنسبة حادة وعن هيمنة جوية ساحقة.
اوضحت وكالة اسوشييتد برس ان اسقاط مقاتلة امريكية وهبوط اخرى اضطراريا بعد اصابتها، مع استمرار البحث عن احد افراد الطاقم، اظهر ان ايران ما زالت تملك قدرة كافية لتعطيل العمليات وفرض تكلفة مباشرة على الولايات المتحدة.
اشار الى ان هذا لا يعني ان الدفاعات الايرانية استعادت توازنها السابق، لكنه يعني ان تدميرها لم يكن كاملا، وان ما تبقى منها او ما استحدث من وسائل متنقلة ومنخفضة البصمة يكفي لتحطيم صورة الحرب المعقمة التي حاولت واشنطن تسويقها.
ايران والبقاء المرن
اكد مراقبون ان خطورة الحادثة تكمن في انها تمنح طهران انجازا رمزيا كبيرا، فهي لا تغير ميزان القوى العام، لكنها تثبت ان ايران لم تتحول الى ساحة مفتوحة بلا انياب، وان اي حديث امريكي عن الحسم السريع كان سابقا لاوانه.
افادت التحليلات الامريكية الاخيرة بان المسالة الاهم لم تعد في عدد البطاريات او المنظومات التي بقيت لدى ايران، بل في قدرتها على اعتماد نمط البقاء المرن، وقالت صحيفة نيويورك تايمز ان تقارير الاستخبارات تحدثت بوضوح عن ازالة الانقاض سريعا من فوق المخابئ والصوامع المقصوفة واعادة تشغيلها بعد ساعات.
كما بينت التقارير ان طهران ما زالت تحتفظ بجزء معتبر من الصواريخ والقاذفات المتحركة، وهذا يعني ان انخفاض وتيرة الاطلاقات الايرانية لا يثبت بالضرورة انهيار القدرة، بل قد يعكس قرارا واعيا بترشيد الاستخدام والحفاظ على ما تبقى لاطول وقت ممكن.
ترمب وتناقضات النهاية
ذكر ان المعضلة الاكثر وضوحا الان هي ان ترمب رفع سقف التهديد الى مستوى يصعب التراجع عنه دون ثمن سياسي، ففي الايام الاخيرة اطلق رسائل متناقضة، مرة يقول ان الدول الاوروبية والاسيوية هي التي يفترض ان تعيد فتح هرمز لانها الاكثر اعتمادا على نفطه، ومرة يتحدث عن ان الولايات المتحدة تستطيع بسهولة السيطرة على المضيق وتحقيق ثروة من النفط، وفي الوقت نفسه استمر فريقه في التاكيد على ان ايران تتراجع وان نهاية الحرب باتت مرئية.
لكن اسقاط الطائرتين اربك هذه المعادلة، لان الرئيس الامريكي بات امام خيارين احلاهما مر، اما التصعيد لاثبات ان الضربة الايرانية لن تغير مسار الحرب، واما ترك باب التسوية مفتوحا، بما قد يظهره كمن خفف شروطه تحت النار.
توقعت مصادر ان تزداد في الساعات المقبلة اللغة الامريكية تشددا، ليس فقط للضغط على طهران، بل ايضا لاستيعاب التداعيات على الداخل الامريكي، حيث لا تحظى الحرب اصلا باجماع واسع، بينما ترتفع حساسية الراي العام تجاه القتلى والخسائر وارتفاع اسعار الوقود.
هرمز مركز الثقل
اذا كان البرنامج النووي هو عنوان الحرب المعلن فان مضيق هرمز صار عنوانها العملي، واشارت مصادر الى ان ايران تستخدم المضيق ورقة ابتزاز رئيسية، وسمحت بعبور بعض السفن المرتبطة بدول او شحنات لا تعدها معادية، بينما يبقى المرور خاضعا لشروط ايرانية مباشرة او غير مباشرة.
وبهذا المعنى لم تعد طهران تراهن فقط على ما تبقى من صواريخها، بل على قدرتها على ابقاء جزء اساسي من الاقتصاد العالمي في حالة قلق دائم.
فالمضيق الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية يمنح ايران ما عجز برنامجها النووي عن منحه، نفوذا فوريا ومستمرا على الاسواق وعلى حسابات خصومها الاقليميين والدوليين، ولهذا يرى كثير من المراقبين ان نتيجة الحرب لن تحددها الغارات الجوية وحدها، بل ما اذا كانت ايران ستخرج منها وهي لا تزال ممسكة بمفتاح هرمز، فان حدث ذلك فستكون قد خسرت عسكريا على الارض، لكنها احتفظت بورقة جيوسياسية قادرة على تعويض جزء من تلك الخسائر.
تصعيد غير مضمون
رجحت مصادر قبل انتهاء مهلة 6 ابريل ان يواصل ترمب رفع السقف، وان تكثف ادارته الضغط العسكري والسياسي لاظهار ان اسقاط الطائرتين لن يبدل اتجاه الحرب.
اوضحت المصادر انه على الارجح ان هذا التصعيد لن يحل المعضلة الاساسية، فالولايات المتحدة تستطيع زيادة التدمير، لكنها لم تثبت بعد انها قادرة على فرض نهاية سياسية واضحة، فايران رغم انهاكها ما زالت تقاتل من تحت الانقاض، وتحتفظ بقدرة على الضرب وبمرونة في استعادة بعض قدراتها وبورقة هرمز التي تمنحها نفوذا يتجاوز وزنها العسكري الراهن.
لذلك فان ما كشفته الايام الاخيرة هو ان الحرب دخلت مرحلة اكثر تعقيدا، مرحلة لا يكفي فيها التفوق الجوي لاعلان النصر، ولا يكفي فيها الصمود الايراني لادعاء الانتصار، بل تقاس النتائج بقدرة كل طرف على فرض شكل النهاية التي قيل انها تقترب.







