الدردري: تصعيد الحرب يهدد اقتصاد المنطقة بخسائر متزايدة
مع إطلاق تقرير خاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التداعيات الاقتصادية للتصعيد في المنطقة، تحدث عبد الله الدردري، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عن ملامح "الصدمة الاقتصادية المتسارعة" وانعكاساتها على أسواق الطاقة والنمو والفقر. أضاف الدردري في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن هذا المؤشر غير مسبوق على الآثار الاقتصادية للحرب. حذر الدردري من أن نحو 4 ملايين شخص مهددون بالانزلاق إلى الفقر، مستعرضا أبرز السيناريوهات المحتملة في ظل استمرار الاضطرابات.
أوضح الدردري أن الخسائر ستتضاعف بوتيرة هندسية، مشيرا إلى تحولات مرتقبة في خريطة الطاقة وسلاسل التوريد والإمداد، إضافة إلى تحديات إعادة الإعمار والنماذج التنموية في المنطقة. بين الدردري أن التطورات الأخيرة أحدثت صدمة اقتصادية حادة ومفاجئة، مع مؤشرات متسارعة على اتساع نطاق الخسائر خلال فترة زمنية قصيرة.
قال الدردري إن التقديرات المتداولة حتى الآن مبنية على نماذج محاكاة، نظرا لعدم كفاية الفترة الزمنية لقياس التداعيات الفعلية بدقة. أشار الدردري إلى أن المنهجية تعتمد على نماذج استخدمت في أزمات سابقة، من بينها تقارير تناولت غزة ولبنان، حيث أثبتت دقة عالية واقترابا كبيرا من النتائج الفعلية التي يتم قياسها لاحقا.
توقعات بتراجع التجارة واضطراب المشتقات النفطية
أكد الدردري أن التقرير يركز على الاتجاهات العامة بدلا من الأرقام التفصيلية الدقيقة، بهدف فهم المسار العام للتأثيرات الاقتصادية، لا سيما على الناتج المحلي الإجمالي. أوضح الدردري أن السيناريوهات المعتمدة تشير إلى تأثيرات واسعة تشمل تراجع التجارة واضطراب تجارة المشتقات النفطية وتدهور البيئة الاستثمارية، إلى جانب ضغوط متزايدة على المالية العامة للدول.
أشار الدردري إلى أن هذه العوامل جُمعت ضمن نموذج تحليلي موحد أفضى إلى تلك النتائج الأولية التي ضمها التقرير. قال الدردري إنه بعد مرور 4 أسابيع من الحرب تبين أن الأثر كبير جدا، مع إغلاق لمضيق هرمز وتأثر لصادرات النفط بشكل كبير للغاية، ما يدفع إلى السيناريو الأقصى وهو التأثر الشديد لتجارة الطاقة.
أضاف الدردري أن عوامل الإنتاج تعرضت لهزة كبيرة، وكل مدخلات الإنتاج تأثرت، بالإضافة إلى الضرر الكبير للبنى التحتية للإنتاج في المنطقة، وبالتالي النتيجة المتوقعة هي أقرب إلى 194 مليار دولار منها إلى 120 مليار دولار. وفي شرح لكيفية وضع سيناريوهات التقرير، بين الدردري أنه وُضع على أساس شهر واحد من القتال.
الفقر يهدد المشرق العربي
حذر الدردري من أنه إذا استمر القتال لأسبوع إضافي فإن الخسائر لن تكون حسابية وإنما على شكل متوالية هندسية. أوضح الدردري أن هذه العناصر أشارت إلى أن الخسائر في إجمالي الناتج المحلي في الخليج هي الأعلى بسبب تأثر قطاع النفط والطاقة، إلا أن الأثر على الفقر هو الأعلى في منطقة المشرق العربي، لأنها دول حساسة جدا حيال ارتفاع أسعار الطاقة التي تؤثر بشكل مباشر على ارتفاع أسعار الغذاء.
حذر الدردري من أن عدد الفقراء سيزداد بنحو 4 ملايين شخص في المنطقة في شهر واحد، وهو عدد يستغرق عادة سنوات عديدة من التدهور الاقتصادي وليس شهرا واحدا. لدى سؤاله عما إذا كانت تُرسم خرائط جديدة للطاقة وتوريدها في المنطقة، قال الدردري إن الدول الآن تتعامل مع الصدمة لمعالجة الأضرار وتأمين خطوط إمداد بديلة.
أشار الدردري إلى أن السعودية تعتمد أكثر على أنبوب النفط الذي يصب في ينبع في البحر الأحمر، وهناك محادثات جدية بين العراق وسوريا لتمرير كميات عبر البر من النفط الخام والمشتقات النفطية، وبالتالي بدأ العمل جديا على إيجاد بدائل وسلاسل توريد أقوى وأكثر تنوعا. أضاف الدردري أن البرنامج بدأ التفكير في مساعدة الدول على إيجاد تشابكات إقليمية وترابطات إقليمية والتفكير في طرق النقل البري والتجارة وغيرها لتسهيل توفير بدائل فعلية.
سوريا كبديل استراتيجي
في سياق البحث عن بدائل، وعطفا على كلام للمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك حول إمكانية الاستعاضة عن مضيق هرمز بالعبور عبر سوريا، قال الدردري إن هذا هو الدور التاريخي لسوريا، فهي نقطة وصل بين مسارات تجارية واقتصادية مختلفة. أشار الدردري إلى أنه بين العامين 2007 و2008 بدأت سوريا التفكير جديا باستراتيجية (البحار الخمسة) لربط بحر قزوين بالبحرين الأسود والأحمر والخليج العربي والبحر المتوسط بشبكة معقدة من أنابيب النفط والغاز والسكك الحديدية والطرقات السريعة وشبكات الربط الكهربائي إضافة إلى مدن صناعية ولوجيستية عبر المنطقة.
لفت الدردري إلى أنه كانت هناك خطة وطنية تنموية كاملة هي الخطة الخمسية العاشرة وارتبطت بالربط الإقليمي، كما كانت هناك قدرات مؤسساتية وأطر قانونية أنضج نسبيا مما هو عليه الحال الآن. أثنى الدردري على الجهود الكبيرة المبذولة حاليا لتطوير المؤسسات، معتبرا أن هناك أطرا تنظيمية وتشريعية وقانونية للاستثمار العابر للحدود -ناهيك عن الاستثمار الوطني- وهي لم تنضج بعد.
قال الدردري إن البرنامج الإنمائي يريد أن يساعد سوريا وبلدان المنطقة كي تتمكن من بناء القدرات الفنية والقانونية والتشريعية التي تمكنها من الإقدام على هذه الخطوة إذا قررت طبعا، لأن هذا القرار وطني بالدرجة الأولى. رغم الصورة القاتمة التي يرسمها التقرير، اعتبر الدردري أن هناك الآن فرصة هائلة لسوريا والأردن ولبنان لبناء تجمع شبه إقليمي لتستعيد هذه الدول دورها التاريخي فتوفر ربطا لدول الخليج العربي مع تركيا وأوروبا عبر توفير بدائل لسلاسل التوريد.
فرص واعدة رغم التحديات
أشار الدردري في المقابل إلى أن ذلك ليس بالأمر اليسير أو العوائق ذات جوانب تقنية بحتة، وإنما ذلك يستدعي بناء مقدرات مؤسساتية في التخطيط والمراقبة والإشراف والرصد وإقرار النظام المالي والمصرفي وبناء القدرات الفنية وقدرات الوزارات المتعددة المعنية بمشاريع من هذا الحجم والعابرة للقطاعات والسياسات العامة والتشبيك بين دول الجوار وأن الأساس في ذلك هو ما يسمى «التلاقي التنظيمي». أعرب الدردري عن استعداد البرنامج الأممي لمساعدة الدول في هذه المسائل.
تحدث التقرير عن ضرورة إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية للبلدان المعنية، وهو ما أوضحه الدردري أن المقصود هو «النموذج التنموي المعتمد». قال الدردري إنه في البلدان النفطية السؤال هو إذا كنا نعتمد على مضيق هرمز لتصدير 90 في المائة من نفطنا وغازنا فلماذا لم نفكر في بدائل؟ خصوصا أن التوتر قائم في المنطقة منذ 45 سنة وليس جديدا، فأحداث من هذا النوع تدفع إلى إعادة التفكير.
أضاف الدردري أننا بحاجة لنموذج تنموي مختلف يعتمد على تنويع الاقتصاد وتنويع اليد العاملة والتشبيك والتكامل الإقليمي والدولي مع أطراف مختلفة في الاقتصاد العالمي. كشف الدردري أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عمل على إعداد الاستراتيجية في دول الخليج والآن يعيد إعدادها من منظور التنمية بالبحث عن بدائل. قال الدردري إن النموذج السابق أنجز مستويات فقر منخفضة جدا وتنمية بشرية عالية ونموا اقتصاديا عاليا ولكنه أظهر هشاشة في التعامل مع الصدمات، واليوم نحن أمام واقع أكثر تعقيدا ومرشح لمزيد من الصدمات وبالتالي مطلوب منا تطوير أدوات أكثر فاعلية ومرونة.
التعافي المستدام وتغيير نموذج إعادة الإعمار
أوضح الدردري أن هذا لا يعني بطبيعة الحال التخلي عن الخطط والرؤى التي وُضعت وهي ممتازة لأنها تضع البلدان على سكة مستقبلية واضحة، ولكن خلاصة القول: إن هذه الأهداف نفسها يمكن بلوغها بطرق مختلفة وأكثر نجاعة بعد الأحداث الأخيرة. في قراءته لتحديات التعافي في غزة وسوريا ولبنان، شدد الدردري على أن دول المنطقة باتت تدرك واقعا جديدا يتمثل في غياب تدفق المليارات التقليدية لإعادة الإعمار، ما يضع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومات المحلية التي تواجه معضلة اتساع رقعة الفقر.
تساءل الدردري: هل سنبقى رهن الاعتماد على دول الخليج في تمويل إعادة الإعمار أم أن الوقت حان لابتكار حلول تنموية إبداعية تضمن التعافي المستدام؟ أوضح الدردري أن رؤية البرنامج الإنمائي —الذي يعمل في 177 دولة— لا تهدف إلى التدخل في القرارات السيادية بل تقديم استشارات مبنية على تجارب عالمية، مؤكدا أن المخرج يكمن في التركيز على القطاع الزراعي وتطوير سلاسل القيمة المحلية إضافة إلى إطلاق برامج للسكن الشعبي منخفض التكلفة.
شدد الدردري أخيرا على أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثل «البديل الدائم» لقدرتها على الصمود في أصعب الظروف، معتبرا أن تعزيز الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة ليس مجرد إجراء اقتصادي بل هو الركيزة الأساسية لبناء «عقد اجتماعي جديد» وترسيخ استقرار المؤسسات في المنطقة.







