سوريا تواجه موجة غلاء معيشة بسبب الحرب وتدهور القدرة الشرائية
أظهرت الأسواق السورية تاثرا سريعا بالحرب الإقليمية، حيث طالت الارتفاعات معظم السلع الغذائية والاستهلاكية والمواد الأساسية، وذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلا من ضعف السيولة وتراجع القدرة الشرائية، مما عمق الضغوط المعيشية على الأسر.
كشفت جولة في أسواق دمشق عن آثار واضحة للتصعيد على أسعار المواد الغذائية، بدءا من اللحوم والدجاج وصولا إلى الزيت والخضار والمعلبات.
قال مازن بيرقدار، وهو متقاعد يبلغ من العمر 64 عاما، إن تأثير الحرب لم يقتصر على صنف دون آخر، بل شمل الأغذية والغاز المنزلي والمازوت.
ارتفاع اسعار المواد الغذائية والاستهلاكية في دمشق
أضاف بيرقدار أن الناس لا يملكون سيولة كافية، فيما تتراجع قدرتهم الشرائية بصورة ملحوظة، لتتجه الأوضاع الاقتصادية من سيئ إلى أسوأ.
رصدت جولة ميدانية ارتفاعا متفاوتا في أسعار السلع، حيث يقدر تاجر المواد الغذائية في سوق سريجة بدمشق، عماد الدين علايا، الزيادة بنسب تراوحت بين 10% و50% منذ بداية الحرب.
أشار علايا إلى أن سعر كيلو صدور الدجاج ارتفع في بعض مناطق دمشق من 350 ليرة إلى 550 ليرة، فيما صعد سعر كيلو لحم الخاروف من 1600 ليرة إلى 2500 ليرة، كما ارتفع سعر كيلو الطماطم من 40 ليرة إلى 150 ليرة، ووصل سعر كيلو الكوسا إلى 150 ليرة.
تاثير الحرب على القدرة الشرائية للمواطن السوري
بين علايا أن هذه القفزات لا ترتبط باحتكار أو نقص مباشر في المعروض، بل بما يسميه الوضع السياسي العام في المنطقة.
قدم التاجر في سوق الميدان بدمشق، عدنان جناب، تفسيرا إضافيا، إذ قال إن زيادة تصدير بعض المحاصيل والبضائع المحلية إلى دول الجوار السوري خفضت الكميات المتاحة في السوق المحلية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن منذ اندلاع الحرب.
أوضح الموظف المتقاعد علي محفوظ أن الأزمة امتدت إلى نقص في مواد أساسية، وفي مقدمتها الغاز المنزلي، مما ضاعف المتاعب اليومية للأسر.
تدهور الاوضاع الاقتصادية وتأثيرها على الاسر السورية
بين محفوظ أن الموظف أو المتقاعد كان يعيش في السنوات الماضية على نحو 300 ألف ليرة قديمة، وهي قيمة لم تكن تتجاوز آنذاك 15 دولارا، ورغم تحسن الرواتب مؤخرا، فإن إعداد وجبة غداء بسيطة بات يحتاج إلى ما لا يقل عن 100 ألف ليرة قديمة، أي نحو 9 دولارات.
أضاف محفوظ أنه حتى بعض النباتات البرية التي كانت تعد خيارا رخيصا، مثل الخبيزة، وصل سعرها إلى 10 آلاف ليرة.
قالت سمر منذر، 42 عاما، إن الارتفاعات الحالية تعيد إلى الأذهان موجات الغلاء التي تتكرر عادة مع اقتراب شهر رمضان، لكن وقعها هذه المرة أشد بسبب الحرب وتآكل الدخول.
أشارت منذر إلى أن السوريين شعروا بشيء من التفاؤل بعد سقوط نظام السابق، وانخفضت الأسعار لفترة محدودة، قبل أن تعاود الصعود، ولا سيما بعد اندلاع الحرب.
أضافت منذر أن كثيرا من الأطباق التقليدية التي اعتادت العائلات الدمشقية إعدادها باتت خارج متناول عدد واسع من الأسر، سواء لتحضيرها داخل المنزل أو لدعوة الأقارب إليها.
اعتبرت منذر أن الاعتقاد السائد بأن معظم الأسر السورية تتلقى دعما ماليا من الخارج مبالغ فيه، لأن شريحة واسعة من الناس ما تزال تعتمد على رواتب محلية محدودة.
أعربت منذر عن أملها في أن تتدخل الحكومة لمعالجة الأزمة، لكنها ترى أن الجهات المعنية لم تدرك بعد الحجم الحقيقي للضغوط المعيشية التي يواجهها المواطنون.
تحليل الخبراء للاقتصاد السوري في ظل الازمة
بين الخبير الاقتصادي إبراهيم قوشجي أن سوريا ليست بمنأى عن التوترات الإقليمية، وإن البلاد دخلت تحت تأثير مباشر لصراع يتوسع بين قوى إقليمية ودولية، انعكس بسرعة على الأسواق والمعيشة.
أوضح قوشجي أن حالة من ارتباك الأسعار سادت السوق منذ بداية التصعيد، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع المعروض من بعض السلع، إذ تراوحت الزيادات في عدد من القطاعات الحيوية بين 20% و40%، كما تعرضت الليرة السورية لضغوط إضافية نتيجة تراجع التحويلات الخارجية وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، مما أدى إلى تباطؤ نسبي في الحركة التجارية بانتظار اتضاح مسار الأحداث.
حذر قوشجي من أن المخاطر لا تقتصر على الأثر الفوري، بل تمتد إلى المدى المتوسط مع احتمال تعطل سلاسل التوريد بسبب تأثر الموانئ وطرق التجارة البرية التي تربط سوريا بدول الجوار، وهو ما قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين أو يؤخر وصول الإمدادات، أما في حال استمرار التوتر، فإنه يرجح أن تتفاقم المخاطر على الاستثمار ورؤوس الأموال، بما يفتح الباب أمام ركود تضخمي طويل الأمد وهجرة إضافية للكفاءات.
أشار قوشجي إلى أن الجهود المبذولة لرفع إنتاج القمح المحلي إلى نحو 3 ملايين طن توفر هامشا من الحماية، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الاستيراد لتغطية الطلب.
أضاف قوشجي أن المخزونات الحالية تمنح البلاد حماية مؤقتة لأشهر معدودة فقط، أما في قطاع الطاقة، فيشير إلى أن الإنتاج المحلي يقل عن 15 ألف برميل يوميا، في حين تتجاوز الحاجة الفعلية 120 ألف برميل يوميا، مما يبقي سوريا معتمدة بدرجة كبيرة على الواردات ويجعل أي اضطراب في خطوط الإمداد تهديدا مباشرا لقطاعات النقل والتدفئة والصناعة.
خلص قوشجي إلى أن الاقتصاد السوري يعيش اليوم مرحلة إدارة أزمات أكثر من كونه في مسار تعاف، إذ تحاول الحكومة التعامل مع الضغوط المتزايدة بموارد محدودة، فيما يظل تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي مرهونا بتهدئة سياسية أوسع في المنطقة.







