الحرب الاقتصادية: سلاح العقوبات والحظر في الصراعات الحديثة

{title}
راصد الإخباري -

تزامنا مع التطورات الجيوسياسية المتسارعة، يبرز تصعيد مواز في المجال الاقتصادي، حيث لم يعد الضغط يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يمتد ليشمل تشديدا للقيود المالية والتجارية، وذلك ضمن ما يعرف بـ "السلاح الاقتصادي" الذي بات يشكل عنصرا أساسيا في إدارة الصراعات المعاصرة.

تعتبر العقوبات المالية والتجارية من أبرز الأدوات الاقتصادية المستخدمة في الحروب الحديثة، وتشمل تجميد الأصول، وتقييد الوصول إلى الأنظمة المصرفية الدولية، وحظر تصدير السلع الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة.

كما يتم استخدام الحصار الاقتصادي الشامل أو الجزئي لتقييد الإمدادات الحيوية من الغذاء والطاقة، بالإضافة إلى استخدام الرسوم الجمركية والعقوبات الثانوية لمعاقبة الأطراف التي تتعامل مع الدولة المستهدفة.

تكتيكات الحرب الاقتصادية الحديثة

في سياق أكثر تعقيدا، تلجأ بعض القوى إلى استخدام العملة كسلاح من خلال تقييد الوصول إلى الاحتياطيات الأجنبية أو الضغط على سعر الصرف، بالإضافة إلى استهداف سلاسل الإمداد العالمية والتحكم في تدفقات الاستثمارات والتمويل، مما يجعل الاقتصاد ساحة اشتباك موازية للمعارك العسكرية.

العقوبات الاقتصادية تمثل أداة ضغط تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية لا تقل طموحا عن أهداف القوة العسكرية، وقد وصف الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون العقوبات بأنها "أشد رهبة من الحرب" لأنها تعتمد على العزل الكامل الذي يخنق الدولة المستهدفة دون الحاجة إلى إطلاق النار.

أوضح نيكولاس مولدر في كتابه "السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة" أن فكرة السلاح الاقتصادي ليست مجرد عقوبة رمزية، بل هي آلية ردع تقوم على تهديد الخصم بالعزل الشامل عن التجارة والتمويل، مما يفرض عليه تكلفة اجتماعية واقتصادية كبيرة.

تاريخ استخدام السلاح الاقتصادي

أضاف مولدر أن التجربة التاريخية تبين أن هذا السلاح لا يعمل دائما كما هو مخطط له، ففي ثلاثينيات القرن العشرين، استخدمت أشكال من الضغط الاقتصادي ضد إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية واليابان، لكن هذه الإجراءات لم تمنع التصعيد، بل دفعت بعض هذه القوى إلى تسريع سياسات الاكتفاء الذاتي والتوسع الإقليمي لتأمين الموارد التي خشيت فقدانها.

في العصر الحالي، اتسع مفهوم الحرب الاقتصادية ليشمل أدوات أكثر تعقيدا من مجرد الحظر التجاري، فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قيودا مالية صارمة على إيران منذ عام 2006، استهدفت النظام المصرفي وصادرات النفط، مما أدى إلى انكماش اقتصادي متكرر وتراجع حاد في العملة المحلية.

كما فرضت عقوبات واسعة على روسيا بعد ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم توسعت بشكل غير مسبوق بعد الحرب في أوكرانيا، لتشمل تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي وقطع بنوك عن نظام "سويفت" الدولي لتحويل الأموال.

الحرب التجارية وتأثيرها العالمي

في المقابل، استخدمت الصين نفوذها التجاري لمعاقبة دول اعتبرت مواقفها السياسية معادية، وذلك من خلال فرض قيود على واردات زراعية أو صناعية، كما حدث مع أستراليا في أعقاب التوترات الدبلوماسية بين البلدين.

تعتبر الحرب التجارية بين واشنطن وبكين مثالا واضحا على انتقال الصراع إلى ميادين الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة وأشباه الموصلات.

تبين هذه الأحداث أن الاقتصاد لم يعد مجرد خلفية للصراع، بل أصبح مسرحا رئيسيا له، حيث تستخدم العملة والائتمان والطاقة والتكنولوجيا كسلاح للضغط يعادل في تأثيره أدوات القوة الصلبة.

مفارقات السلاح الاقتصادي وفاعليته

أكد مولدر أن سلاح الاقتصاد يكتسب قوته من قدرته على فرض ضغط واسع ومنسق، لكنه يفقد جزءا من فاعليته كلما تحول إلى أداة روتينية متكررة الاستخدام، فالعقوبات المحدودة غالبا ما تعجز عن إحداث تغيير جوهري في السلوك السياسي.

أضاف أنه في حين أن العقوبات الشاملة قد تدفع الدول المستهدفة إلى تبني استراتيجيات مضادة، مثل تنويع الشركاء التجاريين وتعزيز الاكتفاء الذاتي، أو تطوير أنظمة مالية وتجارية موازية.

أشار إلى أن الإفراط في استخدام هذا السلاح قد يسرع من اتجاهات تفكك النظام الاقتصادي العالمي إلى كتل متنافسة، مما يضعف درجة الترابط التي شكلت أحد الأعمدة الأساسية للعولمة في العقود الماضية.

السلاح الاقتصادي في الحروب الحديثة

بين الباحث الاقتصادي مصطفى يوسف أن السلاح الاقتصادي أصبح أحد أكثر الأدوات فاعلية في الحروب الحديثة، حيث يمثل الاقتصاد "شريان الحياة" لأي دولة تخوض نزاعا.

أضاف يوسف أن العقوبات المفروضة على روسيا أثناء حربها على أوكرانيا أسهمت في إضعاف الاقتصاد الروسي، وأدى تجميد الأصول وتقييد التعاملات المالية إلى ضغوط كبيرة على الروبل والمالية العامة.

أوضح أن الضغوط الاقتصادية لا تقتصر على حالات الحرب المعلنة، بل تمتد إلى الحصار والمناوشات الجيوسياسية كما في فنزويلا وكوبا، حيث تستخدم أدوات المنع التجاري والمالي لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بإعادة تشكيل مواقف الحكومات.

الرؤى الاقتصادية للصراعات المعاصرة

من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد السياسي عبد النبي عبد المطلب أن البعد الاقتصادي يمثل الركيزة الأهم في أي عملية عسكرية، مؤكدا أن كثيرا من الحروب عبر التاريخ كان دافعها الأساسي تحقيق مكاسب اقتصادية أو السيطرة على الموارد.

أشار إلى أن سياسات رفع الرسوم الجمركية وفرض القيود التجارية في أوروبا أسهمت في تعميق الاختلالات الاقتصادية التي مهدت للحربين العالميتين الأولى والثانية.

أوضح عبد المطلب أن التضييق الاقتصادي وتهديد الأمن المعيشي يمكن أن يكونا عاملا مفجرا للصراع، كما في الحالة الفلسطينية، التي أدى فيها تقييد النشاط الاقتصادي ومصادرة الأراضي والقيود على الزراعة والصيد إلى حالة احتقان مرتبطة بالأمن الاقتصادي.

أما في الحرب الروسية الأوكرانية، فيؤكد أن العقوبات مثلت سلاح ضغط رئيسيا، إذ تراجع الروبل الروسي في بداية الحرب من نحو 80 روبلا مقابل الدولار إلى قرابة 120 روبلا قبل أن يستعيد جزءا من استقراره.

يختتم عبد المطلب بأن توجيه الموارد نحو المجهود الحربي في النزاعات يؤثر سلبا في مسارات التنمية داخل الدول المتحاربة، ويعيد ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار بعيدا عن القطاعات المدنية.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب الاقتصادية أداة مركزية في إدارة الصراعات الحديثة، تعكس تحولا تدريجيا من المواجهة العسكرية المباشرة إلى صراع ممتد على مفاصل الاقتصاد العالمي، مع بقاء فعاليتها مرهونة بقدرتها على تحقيق أهداف سياسية واضحة دون التسبب في تداعيات إنسانية واقتصادية يصعب احتواؤها.