تجاوز العقود للمخزون 4 مرات: ماذا يحدث في بورصة نيويورك للفضة؟
كشفت تقارير اقتصادية اليوم عن مؤشرات اختلال لافتة في سوق الفضة خلال الأسابيع الماضية، حيث ظهر تباين كبير بين حجم العقود الآجلة المتداولة في بورصة كومكس، وهي جزء من بورصة وول ستريت في نيويورك، وبين الكميات المسجلة الجاهزة للتسليم داخل مخازن كومكس المعتمدة في نيويورك. وأظهرت التقارير أن هذا الاختلال يأتي في وقت تسجل فيه أسعار المعدن مستويات قياسية عالميا.
أعاد هذا الاختلال طرح أسئلة جوهرية حول قدرة السوق على استيعاب موجات طلب استثنائية على التسليم المادي للفضة، خاصة مع اقتراب أشهر التسليم الرئيسية. وبينت التقارير تزايد حساسية المستثمرين تجاه الفارق بين الانكشاف الورقي والمعروض الفعلي من الفضة.
أظهرت بيانات صادرة في 27 فبراير أن جزءا كبيرا من العقود التي كان يفترض أن تتجه إلى التسليم في مارس المقبل، قد جرى ترحيله إلى استحقاق مايو، ما خفف الضغط الفوري على مارس. وأوضحت البيانات تراجع عدد العقود المفتوحة إلى 6214 عقدا، في مقابل ارتفاع واضح في عقود مايو إلى 77 ألف و814 عقدا.
توزيع زمني للضغوط على الفضة
تعكس تلك الأرقام تجاوز الانكشاف الاسمي لعقود مايو 389 مليون أونصة، مقابل نحو 31 مليون أونصة في شهر مارس. وأشارت البيانات إلى أن الضغوط لم تتلاشى بقدر ما أعيد توزيعها زمنيا، لينتقل مركز الثقل من استحقاق مارس إلى مايو. وأوضحت البيانات أن المخزون المسجل يبلغ نحو 86.13 مليون أونصة فقط، وهو ما يعني أن العقود الآجلة تفوق المخزون بأكثر من 4 مرات.
تغذي هذه التساؤلات مجموعة عوامل متزامنة، من بينها تقلص المخزون المسجل إلى ما دون مستويات تعد حرجة وفق متابعات السوق. وأظهرت البيانات اتساع الفجوة السعرية بين بورصتي نيويورك وشنغهاي، بما يخلق حوافز لإعادة توجيه المعدن إلى حيث العلاوة أعلى. وأكدت التقارير النمو الكبير للطلب الصناعي على الفضة في قطاعات الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والإلكترونيات وغيرها.
يبلغ سعر الفضة حاليا 94.22 دولار للأوقية، وهو ما يزيد بنسبة 192% عن المستوى المسجل قبل 12 شهرا وفق بيانات "منصة ياهو فايننس".
ما هي بورصة كومكس؟
تعود نشأة كومكس إلى عام 1933 في نيويورك، نتيجة اندماج عدد من البورصات المتخصصة. وأضافت التقارير أن هذا الاندماج شكل الأساس لتأسيس واحدة من أهم أسواق تداول المعادن في العالم. وفي عام 1994 اندمجت كومكس مع بورصة نيويورك التجارية، لتصبح في 2008 جزءا من مجموعة "سي إم إي"، أكبر سوق عالمية لتداول المشتقات المالية.
تعتمد آلية عمل كومكس بشكل رئيس على تداول العقود الآجلة، وهي اتفاقيات ملزمة قانونيا لشراء أو بيع كمية محددة من سلعة معينة بسعر متفق عليه مسبقا، مع تاريخ تسليم آجل. وتتميز هذه العقود بأنها موحدة من حيث الجودة والكمية وشروط التسليم، ما يضمن شفافية التداول وسهولة المقارنة بين الأسعار.
لا يجري في كومكس تبادل فعلي للمعادن في أغلب الحالات، بل يتم تداول عقود تمثل حق أو التزام شراء أو بيع السلعة. ويتم تسوية الغالبية العظمى من العقود ماليا قبل موعد الاستحقاق، إذ يقوم المتعاملون بإغلاق مراكزهم للاستفادة من فروقات الأسعار. وأكدت التقارير أن هذا النمط من التداول الورقي يسهم في توفير سيولة مرتفعة وآلية فعالة لاكتشاف الأسعار.
آليات التداول في كومكس
يتم التداول في بروصة كومكس عبر مسارين رئيسيين: الأول إلكتروني من خلال منصة "سي إم إي غلوبكس"، التي تتيح سرعة تنفيذ الأوامر واتساع قاعدة المشاركين. والثاني عبر أسلوب المناداة المفتوحة داخل قاعة التداول، وإن كان استخدامه اليوم أقل انتشارا ويقتصر على عقود محددة وساعات معينة.
تتيح كومكس للمستثمرين التعرض لتحركات أسعار الذهب والفضة ومعادن أخرى لأغراض التحوط أو المضاربة، دون الحاجة إلى امتلاك المعدن فعليا. وأما الراغبون في اقتناء الذهب المادي، فعادة ما يتجهون إلى شراء السبائك أو العملات الذهبية من تجار معتمدين، بدلا من الاعتماد على آلية التسليم عبر العقود الآجلة.
أهمية بورصة كومكس في تسعير المعادن
تكتسب كومكس أهميتها من موقعها المركزي في سوق المشتقات المرتبطة بالمعادن، ومن كونها إحدى الوحدات التابعة لمجموعة "سي إم إي"، أكبر مشغل لبورصات السلع في العالم. وتخضع لرقابة هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية، ما يمنحها وزنا كبيرا في هيكلة وتسعير أسواق المعادن عالميا.
تؤدي كومكس دورا محوريا في تحديد الأسعار المرجعية للذهب والفضة والنحاس ومعادن أخرى، عبر التداول النشط للعقود الآجلة. وتستخدم هذه الأسعار كمؤشر عالمي تعتمد عليه شركات التعدين والمصنعون والمستثمرون في اتخاذ قرارات الإنتاج والتسعير وإدارة المخزون، ما يجعلها نقطة ارتكاز في سلاسل القيمة المرتبطة بالمعادن.
توفر هذه السوق أداة أساسية للتحوط من تقلبات الأسعار، فالشركات التي تعتمد على المعادن في أنشطتها تستخدم العقود الآجلة لتثبيت أسعار مستقبلية وتقليل أثر التذبذب. كما يتيح السوق للمتداولين تنويع مراكزهم بين معادن مختلفة لإدارة المخاطر بشكل أكثر كفاءة.
تأثير كومكس على الأسواق العالمية
لا يقتصر دور كومكس على السوق الأمريكية، بل تمتد تأثيراتها إلى الأسواق الدولية، إذ تؤثر أسعارها في ديناميات العرض والطلب عبر القارات، وتنعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والتجارة العالمية للمعادن.
تطرح العقود عبر نظام موحد حيث يمثل كل عقد 5 آلاف أونصة فضة، ولا يشترط وجود أونصات فعلية مقابل كل عقد عند فتحه، بل يكفي وجود هامش ضمان. ويتم الالتزام بالتسليم فقط إذا لم يقم المستثمر ببيع العقد قبل موعد محدد يعرف بـ "يوم الإشعار الأول".
يتركز التنافس مع بورصة كومكس في عدد من المنصات العالمية المتخصصة في تداول المعادن والمشتقات، والتي تتمتع بسيولة مرتفعة ونفوذ سعري مؤثر في الأسواق الدولية.
منافسو كومكس العالميين
في مقدمة هؤلاء المنافسين تأتي بورصة لندن للمعادن، التي تعد أقدم سوق عالمية لعقود المعادن الصناعية، وتمثل مرجعية أساسية عالمية لتسعير النحاس والألمنيوم والنيكل والزنك. وتتميز بورصة لندن بنظام تسليم فعلي واسع عبر شبكة مخازن دولية، ما يمنحها ثقلا في أسواق أوروبا وآسيا.
تبرز أيضا بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، التي تعكس تنامي الدور الصيني في أسواق السلع. ومع كون الصين أكبر مستهلك للعديد من المعادن، أصبحت أسعار العقود المتداولة في شنغهاي ذات تأثير متزايد على اتجاهات السوق العالمية، لا سيما في الذهب والنحاس.
تشكل بورصة السلع المتعددة في الهند منصة رئيسية لتداول الذهب والفضة، مستفيدة من قوة الطلب المحلي في الهند، أحد أكبر أسواق المعادن الثمينة عالميا. كما تلعب بورصة طوكيو للسلع دورا إقليميا في تسعير بعض عقود المعادن في منطقة شرق آسيا.
أسباب الفجوة بين المخزون والعقود
تعود الفجوة بين العقود والمخزون الفعلي إلى طبيعة سوق العقود الآجلة، إذ إن المتعاملين لا يميلون في أغلب الأحيان إلى استلام المعدن فعليا، بل يستخدمون هذه العقود للتحوط أو المضاربة.
تاريخيا، لا تتجاوز نسبة التسليم الفعلي للفضة 5% من إجمالي العقود، إلا أن الأشهر الأخيرة شهدت ارتفاعا ملحوظا في طلبات التسليم. بالتزامن مع اتساع الفارق السعري بين نيويورك وبورصة شنغهاي للعقود الآجلة، واستمرار العجز الهيكلي في سوق الفضة للعام الخامس وفق بيانات معهد الفضة، وزيادة الطلب الصناعي، وتوجه بعض المستثمرين نحو المعدن المادي.
على مدى السنوات الثماني الماضية، نما الطلب الصناعي على الفضة بشكل مطرد، من حوالي 31 ألف طن متري في عام 2016 إلى أكثر من 36 ألف طن متري في عام 2024.
نفاذ مخزونات الفضة
مع زيادة الضغط على الفضة وارتفاع علاوة الفضة ببورصة شنغهاي، شهدت خزائن بورصة لندن من الفضة نفاذا سريعا خلال السنوات القليلة الماضية. ففي يونيو 2022، بلغ مخزون جمعية سوق لندن للسبائك 31 ألفا و23 طنا متريا من الفضة، وبحلول مارس 2025، انخفضت الكميات بنحو الثلث لتصل إلى 22 ألفا و126 طنا متريا، وهو أدنى مستوى لها منذ سنوات.
لمواجهة كومكس لهذه الفجوة يتم استخدام مخزونات المعادن غير المدرجة للتسليم الفوري في تسوية العقود المفتوحة، ورفع متطلبات الهامش لتقليل المضاربة، وتشجيع التسويات النقدية بدل التسويات المادية، وجذب تدفقات معدنية من أسواق خارجية عبر فروق الأسعار.
اتساع الفجوة السعرية بين بورصتي نيويورك وشنغهاي للذهب، خاصة مع تحقيق علاوة في أسعار الفضة تصل إلى أكثر من 10 دولار، يشير إلى تحول في مراكز الطلب، خصوصا مع النمو الصناعي الصيني. وأكدت التقارير أن تعزيز التداول في شنغهاي قد يدعم طموح الصين لتوسيع دورها في تسعير المعادن، لكنه لا يعني استبدالا فوريا لدور نيويورك أو لندن.
أظهرت بيانات إدارة الجمارك الصينية، أن شحنات الصين من الفضة للخارج بلغت قرابة 5 آلاف و100 طن العام الماضي، وهو أعلى حجم صادرات منذ نحو 16 عاما.







