أحيانًا يحدث العكس

{title}
راصد الإخباري -

المكان يصبح أكثر وضوحًا عندما نراه من بعيد.
العراق قد يتحول من جغرافيا إلى ذاكرة.
والذاكرة قد تتحول إلى لون.
واللون قد يتحول إلى تكوين.
والتكوين قد يتحول إلى هوية.
وهكذا يمكن للاغتراب أن يصبح، في بعض التجارب، مختبرًا لإعادة اكتشاف الوطن.


العراق في الفنان… لا الفنان في العراق

ثمة فرق بين أن يرسم الفنان العراق، وأن يكون العراق موجودًا في تكوينه.
الأولى موضوع.
والثانية هوية.
وأعتقد أن تجربة علي جبار تنتمي إلى الثانية.
إنه لا يحتاج بالضرورة إلى رسم معلم عراقي معروف حتى يكون عراقيًا.
العراق يمكن أن يكون حاضرًا في حساسية العمل.
في علاقة الفنان بالمادة.
في الصبر.
في الروح.
في الذاكرة.
في طريقة التعامل مع الزمن.
وفي ذلك الإصرار على أن تكون للفنان شخصية لا تذوب في التيارات العالمية.
وهذه قيمة كبيرة. لأن العالمية الحقيقية لا تعني أن تفقد جذورك، بل أن تجعل جذورك قادرة على مخاطبة العالم.


الفنان الذي لم يحتاج إلى الضجيج
في زمن أصبحت فيه الشهرة أحيانًا أسرع من المنجز، يصبح الفنان الذي يعمل بصمت حالة تستحق التوقف.
علي جبار لا يبدو من الفنانين الذين يحتاجون إلى الكلام الكثير عن أنفسهم.
إن أعماله تتحدث.
والكتلة تتحدث.
واللون يتحدث.
والفضاء يتحدث.
وهذا يكفي.
فالفنان الذي يملك منجزًا حقيقيًا لا يحتاج دائمًا إلى الصراخ الفارغ 

النحت عنده ليس صناعة شكل
النحت الحقيقي لا يتعلق بصناعة الشكل فقط.
إنه يتعلق بصناعة العلاقة بين الشكل والفضاء. وهذه العلاقة هي التي تجعل بعض الأعمال تبقى في الذاكرة.
فالعمل النحتي العظيم لا يختفي عندما تبتعد عنه. يبقى معك.تتذكره.تتذكر حجمه.
تتذكر ظله.تتذكر المسافة التي وقفت فيها أمامه. وربما تتذكر شعورك عندما رأيته للمرة الأولى.
وهنا يصبح العمل النحتي حدثًا في ذاكرة المتلقي. وهذه، في رأيي، واحدة من أهم علامات نجاح علي جبار.


علي جبار… عندما يصبح الحجر ذاكرة
أحيانًا أفكر أن أجمل ما يمكن أن يفعله النحات ليس أن يجعل الحجر جميلًا.
بل أن يجعل الحجر يتذكر.
يتذكر الإنسان.
يتذكر الزمن.
يتذكر الحركة.
يتذكر الصمت.
يتذكر الجسد.
يتذكر الحضارة.
وهنا تتحول المادة الجامدة إلى شيء يحمل أثرًا إنسانيًا.
وهذه هي المعجزة الصغيرة التي يصنعها النحات. أن يجعل ما لا يتكلم…يتكلم.

فنان بين عالمين
علي جبار يقف في منطقة نادرة:
بين العراق والعالم.
بين الرسم والنحت.
بين الكتلة والفراغ.
بين الهدوء والضخامة.
بين اللون والحجر.
بين الذاكرة والحداثة.
بين الفنان والإنسان.
وهذه الثنائيات ليست تناقضات في تجربته. بل هي التي تصنعها.
ولهذا يصعب وضعه في خانة واحدة.
لأن الفنان الذي يعيش في منطقة واحدة يصبح سهل التصنيف.
أما الفنان الذي يخلق مساحته الخاصة…
فيجبر النقد على أن يلاحقه.


عندما تضيع الخريطة
قلت إن أعمال علي جبار تحتاج إلى «خارطة طريق» للسيميولوجيا.
وأجد العبارة شديدة الدقة من الناحية الشعرية.
لأننا أمام أعمال لا تقدم نفسها بسهولة.
نحتاج أن نبدأ من المادة.
ثم نذهب إلى الشكل.
ثم إلى الحجم.
ثم إلى الفراغ.
ثم إلى اللون.
ثم إلى الإيقاع.
ثم إلى الذاكرة.
ثم إلى العلاقة بين العمل والمتلقي.
ثم نعود إلى السؤال الأول:
ماذا أراد الفنان أن يقول؟
وربما نكتشف بعد كل هذه الرحلة أننا لم نصل إلى الإجابة.
وهذا ليس فشلًا. بل هو نجاح.
لأن الفن الذي ينتهي مع أول تفسير…
ينتهي سريعًا.أما الفن الذي يجعلنا نبحث…
فيبقى.


علي جبار… عنوان عراقي في الفن العالمي

إن الحديث عن علي جبار ليس حديثًا عن فنان عراقي يعمل في الخارج فقط.
إنه حديث عن فنان استطاع أن يحمل تجربته إلى فضاء عالمي دون أن يفقد خصوصيته. وهذا إنجاز ليس سهلًا.
لأن العالم الفني واسع، ومليء بالتيارات والأساليب والمدارس.
ومع ذلك يستطيع الفنان أن يقف فيه دون أن يصبح نسخة من أحد.
وهذه هي القيمة الحقيقية.
أن تكون عالميًا دون أن تكون مستنسخًا.
وأن تكون عراقيًا دون أن تكون محصورًا.
وأن تكون معاصرًا دون أن تنقطع عن الذاكرة.

في حضرة علي جبار… تتغير الأسئلة
في البداية نسأل:
ما هذا الحجر؟
ثم:
كيف صنعه؟
ثم:
لماذا بهذا الحجم؟
ثم:
لماذا بهذا الشكل؟
ثم:
ماذا يعني؟
ثم:
لماذا أشعر بشيء لا أستطيع تسميته؟
وهنا يتغير السؤال.
لم نعد نسأل عن العمل.
بدأنا نسأل عن أنفسنا أمام العمل.
وهذه هي النقطة التي يصبح فيها الفن كبيرًا حقًا.
عندما تنتقل اللوحة أو المنحوتة من كونها شيئًا أمامنا إلى كونها تجربة تحدث داخلنا.


كلمة أخيرة
أكتب عن علي جبار وأنا أعرف أن المقال، مهما طال، لن يستطيع أن يحيط بتجربة بهذا الاتساع.لأن الفنان الذي جمع بين الرسم والنحت، وبين الكتلة واللون، وبين العراق والعالم، وبين الصمت والمنجز الضخم، لا يمكن اختزاله في فقرة أو عنوان.
إنه يحتاج إلى دراسة.
وإلى معرض استعادي.
وإلى قراءة نقدية متأنية.
وإلى ذاكرة تحفظ أعماله.
لأن بعض الفنانين لا يكونون مجرد أسماء في تاريخ الفن.إنهم علامات في التاريخ نفسه.
وعلي جبار، في تقديري، واحد من هذه العلامات.
فنان يستطيع أن يقف أمام أضخم كتلة حجرية دون أن يبدو في حاجة إلى القوة.
لأن قوته الحقيقية ليست في عضلات اليد.
بل في الفكرة التي تقود اليد.
ويستطيع أن يترك على اللوحة لونًا لا يشبه لون أحد.
لأن اللون عنده ليس مادة. إنه ذاكرة.
ويستطيع أن يعمل في صمت طويل، ثم يخرج إلى العالم بعمل يجعل الآخرين يتحدثون.
وهنا تكمن عظمة الفنان الحقيقي:
أن يكون هادئًا في حضوره، صاخبًا في أثره.
أن يكون ناعمًا في سلوكه، صلبًا في منجزه.
أن يعيش بعيدًا عن وطنه، بينما يظل الوطن حاضرًا في تكوينه.
أن يحمل الحجر، فيحمله الحجر معه إلى التاريخ.
وأن يضع اللون على القماش، فيصبح اللون هو الذي يحمل اسمه.
لهذا أقول:
علي جبار ليس فنانًا يبحث عن مكان في خارطة الفن العالمي.
إنه فنان يجعل خارطة الفن نفسها مضطرة إلى أن تضع له مكانًا.
وفي النهاية…
قد نحتاج إلى خارطة للسيميولوجيا كي نقترب من أعماله.لكنني أخشى أن يحدث لنا ما يحدث لكل من يدخل عالمًا مجهولًا:
نبدأ بالخريطة…
ثم نكتشف أن الطريق نفسه هو العمل الفني. وهنا فقط نفهم علي جبار.
لا باعتباره نحاتًا أو رسامًا فحسب…
بل باعتباره عالمًا بصريًا عراقيًا كاملًا، صنع من الحجر ذاكرة، ومن اللون هوية، ومن الصمت قوة، ومن الفن طريقًا لا يعرف نهايته.
علي جبار…حين يعجز الحجر عن حمل الفكرة، يمنحه  جسدًا آخر.وحين يعجز اللون عن الكلام، يمنحه إيقاعًا. وحين تعجز الكلمات عن وصفه…تبقى أعماله هي النص الأكثر بلاغة.



المستشار الدكتور ثامر الناصري
15 / 8 / 2026