الأردن بين انهيار المنطقة أمنيًا وتغيّر المعادلة الجيوسياسية والقوى العالمية

{title}
راصد الإخباري -
بقلم: المحامي المنصف خالد الرواشدة

منذ نشأة الدولة الأردنية وتأسيسها، لم يكن الأردن بعيدًا عن الأزمات والحروب والتحديات التي شهدتها المنطقة، بل وجد نفسه في كثير من الأحيان في قلب الأحداث الإقليمية، وفي مقدمة الدول التي تعاملت مع تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية.

وكانت القضية الفلسطينية، وما ارتبط بها من صراع عربي–إسرائيلي، في مقدمة التحديات التي واجهها الأردن، بحكم الجغرافيا والتاريخ والروابط الاجتماعية، إضافة إلى مسؤولياته تجاه القدس والمقدسات والأشقاء الفلسطينيين  وقضايا الحروب والأزمات لدول عربية فرضت على  الأردني .

وقد فرض موقع الأردن وظروفه السياسية عليه، عبر عقود طويلة، معادلة دقيقة وصعبة: كيف يحافظ على ثوابته ومواقفه تجاه قضايا أمته، وفي الوقت ذاته يحافظ على أمنه واستقراره ويجنب شعبه ويلات الحروب والصراعات التي عصفت بالمنطقة؟

وفي مراحل تاريخية مختلفة، استطاع الأردن، بحكمة قيادته السياسية، أن يحافظ على توازن دقيق بين الثوابت الوطنية والقومية من جهة، ومتطلبات حماية الدولة ومصالحها العليا من جهة أخرى. فكان وطنًا آمنًا ومستقرًا، وملجأً للكثير ممن بحثوا عن الأمن والاستقرار، كما حافظ على علاقاته مع أشقائه العرب، وتعامل مع القوى الدولية الكبرى ضمن ما تتيحه الظروف والمصالح الوطنية.

ولعل من أبرز عناصر القوة في السياسة الأردنية تاريخيًا قدرتها على التعامل مع الأزمات بواقعية ومرونة، وعدم الانجرار بسهولة إلى صراعات قد تكون كلفتها أكبر من قدرة الدولة على تحملها. فالأردن، بحكم إمكاناته وموقعه، يدرك أن حماية الوطن ليست بالشعارات وحدها، وإنما بحساب دقيق لموازين القوى والمصالح والنتائج.

لكن السؤال اليوم يختلف.؟

فالمنطقة التي عرفناها خلال العقود الماضية لم تعد هي المنطقة نفسها، والمعادلة الدولية أيضًا لم تعد كما كانت.

نحن أمام تحولات جيوسياسية وعسكرية واقتصادية متسارعة، وصعود قوى دولية وإقليمية جديدة، وتراجع أدوار قوى أخرى، إلى جانب اتساع رقعة الصراعات وتداخل الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية بصورة غير مسبوقة.

وفي ظل هذه التحولات، لم يعد من الحكمة التعامل مع المتغيرات الجديدة بالآليات ذاتها التي كانت مناسبة في مراحل سابقة؛ لأن تغير البيئة الإقليمية والدولية يفرض بالضرورة إعادة قراءة للمشهد، وإعادة تقييم للخيارات المتاحة أمام الدولة.

وهنا لا أتحدث عن التخلي عن الثوابت، ولا عن تغيير المبادئ، وإنما عن إعادة ترتيب الأولويات والأدوات بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.

فالدول لا تعيش في فراغ، والسياسة الدولية لا تقوم على العواطف وحدها، وإنما على المصالح وموازين القوى والقدرة على المناورة وحسن اختيار التوقيت.

ومن هنا، فإن المرحلة الحالية تتطلب مزيدًا من الحذر والواقعية السياسية، وتعزيز قدرة الأردن على المناورة، وتوسيع خياراته وعلاقاته الدولية والإقليمية، بحيث لا يجد نفسه مقيدًا بخيار واحد أو طرف واحد في عالم يتغير بسرعة.

إن المحافظة على الأردن وأمنه واستقراره يجب أن تبقى خطًا أحمر لا يخضع للمغامرة أو المزايدة، وفي الوقت نفسه فإن حماية المصالح الوطنية لا تعني الجمود أمام المتغيرات، بل تتطلب قراءة دقيقة لها والاستعداد لتغيير الأدوات والتحالفات والمقاربات عندما تقتضي مصلحة الوطن ذلك.

وقد تكون المرحلة المقبلة من أكثر المراحل التي تحتاج إلى هدوء في القرار، وعمق في التفكير، وابتعاد عن الانفعال، وإدراك لحقيقة أن الجغرافيا الأردنية تفرض علينا أن نكون أكثر يقظة من غيرنا.

فالأردن ليس دولة منعزلة عن محيطها، لكنه في الوقت ذاته ليس مطالبًا بأن يدفع ثمن كل أزمات المنطقة.

ومن حق الأردن، بل من واجبه، أن يضع أمنه الوطني واستقراره ومصالح شعبه في مقدمة حساباته، وأن يتعامل مع جميع الأطراف وفق ما يخدم هذه المصالح، مع الحفاظ على ثوابته ومواقفه التاريخية.

إن العالم يتغير، وموازين القوى تتغير، والتحالفات تتبدل، وما كان ثابتًا بالأمس قد لا يكون كذلك غدًا.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الخوف من التغيير، وإنما إدارة التغيير بذكاء.

وليس المطلوب أن يتخلى الأردن عن ثوابته، وإنما أن يمتلك القدرة على حماية هذه الثوابت ضمن واقع دولي وإقليمي جديد.

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل سياسي مفتوح، وقرار وطني مستقل، وقراءة بعيدة المدى، وإدراك حقيقي لحجم المخاطر والفرص.

وفي النهاية، قد تختلف الأدوات من مرحلة إلى أخرى، وقد تتغير التحالفات وموازين القوى، لكن الثابت الذي يجب ألا يتغير هو:

الأردن أولًا، وأمنه واستقراره وسيادته وثوابته الدينية والتاريخية ومصالح شعبه فوق كل اعتبار.