العيسوي يقابل ايمن الزعبي
راصد الإخباري -
ربما لم يكن المواطن أيمن محمد، وهو يقف خلف صفوف المستقبلين في لواء الرمثا، يتوقع أن تتحول محاولته البسيطة لمصافحة رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف حسن العيسوي إلى موعد في اليوم التالي داخل الديوان الملكي الهاشمي العامر، ضيفًا مرحبًا به، يُستمع إليه وتُبحث احتياجاته. تلك اللحظة العابرة، التي بدت وكأنها مجرد إيماءة بروتوكولية في خضم احتفال رسمي، كانت في حقيقة الأمر نقطة انطلاق لقصة إنسانية تجسد بعمق النهج الهاشمي الراسخ في القرب من المواطنين، وصون كرامتهم، والاستماع إليهم دون حجب أو حواجز، لتكون ترجمة عملية وتجسيدًا حيًا لتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني القائلة بأن يبقى الديوان الملكي الهاشمي بيتًا مفتوحًا لكل الأردنيين، تصل من خلاله أصواتهم وتُتابع احتياجاتهم بكل دقة واهتمام.
فخلال رعاية العيسوي، أمس الأحد، احتفالًا في لواء الرمثا، وبينما كان يصافح مستقبليه لدى وصوله إلى موقع الاحتفال، ظهر من خلفهم مواطن بسيط يحاول الوصول إليه للسلام عليه، فيما حاول البعض إبعاده وتنظيم حركة المستقبلين، ربما بدافع تنظيمي أو حرصًا على سير البروتوكول. غير أن العيسوي، وبحسٍّ إنساني ووعي عميق بطبيعة المسؤولية، انتبه إلى الرجل وأصر على أن يقترب ليصافحه ويسلم عليه، متجاوزًا أي إجراءات شكلية كانت قد تحول دون ذلك، وملتزمًا بالنهج الذي وجّه إليه جلالة الملك في التواصل المباشر مع المواطنين وعدم إقامة الحواجز بينهم وبين الديوان الملكي، مهما كانت الظروف أو المناسبات.
ولأن المكان كان مكتظًا بالحضور، ولم تتح الفرصة لتبادل مطول للحديث، لم يسأل العيسوي الرجل أمام الناس إن كانت له حاجة، مراعيًا كرامته وخصوصيته، وحتى لا يضطر إلى البوح بظروفه واحتياجاته أمام الجمع الغفير. وبدلًا من ذلك، وبهدوء وحكمة، طلب من أحد موظفي الديوان الحصول على اسم المواطن ورقم هاتفه، وانتهى المشهد في الرمثا عند ذلك الحد. وربما ظن الرجل، مثل كثيرين غيره، أن المصافحة كانت نهاية الحكاية، وأن اللحظة ستمر كغيرها من اللحظات العابرة في المناسبات الرسمية، لكن ما جرى بعد ذلك كشف عن نية مختلفة تمامًا، حيث تحولت تلك اللفتة العابرة إلى بداية لحكاية جديدة اختصرت المسافات وكسرت الحواجز بين المواطن ومؤسسة تعتبر بيت كل الأردنيين.
في اليوم التالي، الاثنين، كان المواطن أيمن محمد على موعد مع مفاجأة لم تخطر بباله، إذ جرى التواصل معه ودعوته للحضور إلى الديوان الملكي الهاشمي في عمان، حيث استقبله العيسوي في مكتبه، ورحب به بحفاوة، واستمع إلى ظروفه واحتياجاته بتأنٍ واهتمام، ليصار إلى متابعتها وفق الأطر والإمكانات المتاحة، في مشهد يعكس الاهتمام الملكي المباشر بقضايا المواطنين، ويؤكد أن الديوان الملكي ليس مجرد مؤسسة بروتوكولية، بل هو ذراع إنسانية تمتد لتلمس حاجات الناس وتعمل على تلبيتها في إطار من العدالة والشفافية.
وبين محاولة الرجل الوصول من خلف صفوف المستقبلين في الرمثا وجلوسه في اليوم التالي ضيفًا في الديوان الملكي، تتجسد صورة معبرة من صور العلاقة التي أرادها جلالة الملك بين الديوان والمواطن؛ علاقة لا تقف عند حدود البروتوكول والمراسم، بل تقوم على التواصل المباشر والاستماع الصادق واحترام الإنسان وحفظ كرامته، بعيدًا عن أي مظاهر بيروقراطية قد تحول دون وصول صوته. ولم يكن ما جرى بعيدًا عن جوهر المهمة النبيلة التي حمّلها جلالة الملك للعيسوي منذ اليوم الأول لتوليه رئاسة الديوان الملكي الهاشمي، فقد حملت تلك المهمة رؤية واضحة تجعل من المواطن محور العمل اليومي، وترفع من شأن التواصل الإنساني كقيمة مؤسسية لا تتنازل عنها الظروف.
ففي رسالة جلالته إلى العيسوي بمناسبة تعيينه رئيسًا للديوان الملكي الهاشمي في حزيران عام 2018، حدد جلالة الملك بوضوح النهج الذي يتعين على الديوان مواصلته، وفي مقدمته تعزيز التواصل مع أبناء وبنات الشعب الأردني، وإبقاء أبواب الديوان مفتوحة أمام الجميع، ليظل بيتًا وموئلًا لكل الأردنيين، ومكانًا لإيصال أصواتهم ومتابعة حاجاتهم، وفق أحكام القانون ومبادئ العدالة والمساواة والشفافية. ومنذ ذلك التكليف، شكلت هذه التوجيهات الملكية بوصلة حقيقية لعمل الديوان الملكي في تعامله مع المواطنين، حيث أصبحت هذه المبادئ جزءًا من ثقافة العمل اليومي، وجاءت واقعة الرمثا لتكون واحدة من الصور الإنسانية البسيطة التي تعكس الالتزام بها وتحويلها من توجيهات نظرية إلى ممارسة يومية ملموسة، يراها المواطن ويعيش تفاصيلها على أرض الواقع.
فالعيسوي، بصفته رئيسًا للديوان الملكي الهاشمي، يؤدي دوره في إطار هذه الرؤية الملكية السامية، مستندًا إلى مدرسة هاشمية عريقة جعلت الإنسان محور الاهتمام، ورسخت عبر العقود نهج التواصل المباشر مع الأردنيين والاستماع إلى همومهم وتلمس احتياجاتهم، دون أن تحجب البروتوكولات أو المسافات الإدارية بين المسؤولين والمواطنين. وهذا المشهد، في جوهره، لا يروي حكاية مسؤول صافح مواطنًا فحسب، بل يحكي عن نهج أراده جلالة الملك أن يكون حاضرًا ومتجليًا في عمل الديوان: ألا تحول المراسم والحواجز دون وصول المواطن، وألا تمس حاجته كرامته، وأن يجد من يستمع إليه ويحفظ خصوصيته ويتابع شأنه في بيئة من الاحترام والتقدير.
فالهاشميون، عبر مسيرة الدولة الأردنية الممتدة، جعلوا القرب من الناس سمة أصيلة في نهج الحكم، وظلت مجالسهم وبيوتهم مفتوحة للأردنيين، يستمعون إلى صوت المواطن ويشاركونه همومه وتطلعاته، وهو النهج الذي يؤكد جلالة الملك عبدالله الثاني استمراره ويحرص على أن يكون حاضرًا في أداء مؤسسات الدولة الأردنية ومسؤوليها، باعتباره أساس الشرعية والثقة بين الحاكم والمحكوم. وهكذا، لم تكن المسافة التي قطعها ذلك المواطن من الرمثا إلى الديوان الملكي في عمان هي جوهر الحكاية؛ بل المسافة التي اختصرتها توجيهات ملكية أرادت أن يبقى المواطن قريبًا من مؤسساته، وأن تبقى تلك المؤسسات قريبة منه، متفهمة لظروفه، ساعية لحل مشكلاته.
بدأت الحكاية بيد امتدت للسلام في الرمثا، وانتهت بباب فُتح لصاحبها في بيت الأردنيين، وبين اليد والباب، كان هناك نهج هاشمي أصيل وتوجيه ملكي حكيم يُترجم على أرض الواقع بأبهى صوره: كرامة المواطن أولًا، والديوان الملكي بيت الأردنيين جميعًا، حيث تلتقي الحكمة بالعدل، وتلتزم المؤسسة بمسؤوليتها الإنسانية في رعاية شؤون الناس والاستماع إليهم، في قصة تبقى شاهدة على روح الدولة الأردنية التي لا تنسى مواطنيها، مهما صغرت التفاصيل أو كبرت المناسبات.







