نسمة الهواء

{title}
راصد الإخباري -


مهنا نافع
عند المساء كانت تأتي نسمة الهواء، لتهمس بأذني أترى ما أجمل الشجر في البستان، الأشجار في كل مكان، تأمل أوراقها، تمعن بهذا الجمال، فيشت فكري، وأنسى همومي وأحزاني.

وهكذا مضى الصيف، وأنا على هذه الحال، انتظر المساء موعد نسمة الهواء، ويوما بعد يوم كان يقصر اللقاء، إلى أن جاء يوم في بداية فصل الخريف انتظرت طوال المساء، ولما تأتي، وكل يوم أقول لنفسي غدا ستأتي أنا واثق من ذلك، فهي تعشقني، وهي أيضا من كانت دوما ترافق محراث جدي، أنها لن تخذلني يقين ستأتي غدا عند المساء.

حاولت استعادة ذكريات اللقاء، فنظرت إلى الشجر في البستان، الشجر لم يعد كما كان، أوراقه تتساقط، لونه أصبح أصفر، وكلما تأملته أكثر شعرت ببؤس غريب، وكأن للموت لم يبق إلا لحظات، ومضى الخريف، وأقبل الشتاء، وكان شتاء باردا فيا لمرارة هذه الحياة.

إلى أين رحلت نسمة الهواء؟ أكان حديثي مملا، أم لعل أسلوبي غير رقيق، لقد هجرتني، فماذا أفعل لملء هذا الفراغ؟ هل أشتري الكثير من الكتب والمجلات أم أتابع محطات الأخبار؟ هل أقرأ عن اليوجا لعلها تفيد، أم اشترى ملابسي من أبعد الأسواق؟ هل أضيف اسمي على قائمة المهاجرين؟ لست أدري ما الحقيقة التي أريد.

في ليلة من ليالٍ الربيع كان ليل إنارته السماء هامستني نسمة الهواء، أنصت سكنت وسكنت، فتمتمت بكلام ملمسه كالحرير وكله عتاب، فغنى في خيالي لحن حزين رافقته عيناي بالبكاء.

قالت لي نسمة الهواء إلى متى ستبقى على هذه الحال، فأنا لا أستطيع مهامستك في كل الفصول، فعليك أن تجد حلا لنسيان هذه الهموم، وإلا وأن بقيت حيا، فوجدانك أول من سيموت، أما فكرت طوال هذا الفراق بفلسفة الخريف؟ ألم تر الشجر الجميل يلقي بأوراقه يوما بعد يوم ويبعثرها في كل مكان، ورقه الأخضر الجميل يحجب عنه الغذاء، فيقتله ليغدو كالرماد، لقد ضحى بالكثير من أجل البقاء، لقد أراد أن يحمي الجذور من برد الشتاء، أما لو أبقى على الورق لماتت الجذور، وسقطت الغصون، ولم يعد له وجود، لقد ضحى بالكثير من أجل الجذور، فالجذور هي الأصل، وهي ستعيد له الجمال، فالبقاء له قوانين وشروط، فهلا فهمت فلسفة الخريف؟

نعم يا نسمة الهواء، يا نسمة الشفاء، يا نسمة النجابة، يا نسمة المودة والمحبة والهيام، همسك أتى مع الحفيف، ليذيب كل الأحزان، وليزيل غشاوة تحول بيني وبين آمالي، وطالما الجذع مكين فلا خوف من الهزير بين الأغصان، اذهبي وعودي متى شئت، فأنا هنا، ولن أغادر، وسأبقى في هذا البستان عند أشجاري.