تقييم الاقتصاد التونسي بعد خمس سنوات من التحولات السياسية
تمر تونس بمرحلة اقتصادية دقيقة بعد مرور خمس سنوات على القرارات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في يوليو 2021. وأظهرت الحصيلة الاقتصادية حالة من التباين بين تأكيدات السلطات الرسمية بنجاحها في تجنب الانهيار المالي والحفاظ على التوازنات الكبرى، وبين مؤشرات واقعية تعكس هشاشة النمو وضعف الاستثمار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وأوضح الخبير الاقتصادي معز حديدان أن معدلات النمو المحققة والتي بلغت نحو 2.5 بالمئة خلال العام الماضي لا تعبر عن تحول هيكلي حقيقي في الاقتصاد التونسي. وأضاف أن جزءا كبيرا من هذا النمو كان مرتبطا بعوامل ظرفية مثل الموسم الاستثنائي لإنتاج زيت الزيتون، مبينا أن الاقتصاد لا يزال يدور في حلقة مفرغة من النمو الضعيف الذي لا يلبي احتياجات سوق العمل.
وكشفت بيانات المعهد الوطني للإحصاء عن تراجع تدريجي في معدلات التضخم لتصل إلى 5.3 بالمئة، وهو ما تعتمده الحكومة كمؤشر على نجاح سياساتها النقدية. وفسر حديدان هذا التراجع بأنه تباطؤ في وتيرة ارتفاع الأسعار وليس انخفاضا فعليا، مشيرا إلى أن تراكم الأسعار بنسبة 40 بالمئة خلال السنوات الخمس الماضية يظل العبء الأكبر على كاهل الأسر.
وأضافت التقارير الرسمية أن الدولة تمكنت من الوفاء بالتزاماتها المالية الخارجية وتجنبت التعثر، مع خفض الدين العمومي إلى 82 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ورأى خبراء أن هذا الاستقرار تحقق بتكلفة عالية، حيث تلتهم خدمة الدين جزءا كبيرا من ميزانية الدولة، مما يقلص الموارد الموجهة للتنمية والاستثمار العمومي.
وقال مراقبون إن سوق العمل لم يشهد تحسنا ملموسا، حيث لا تزال معدلات البطالة تحوم حول 15.3 بالمئة، مع استمرار أزمة توظيف الشباب وحاملي الشهادات العليا في المحافظات الداخلية. وأظهر الواقع الاجتماعي تذمرا واضحا من تآكل القدرة الشرائية، حيث طالب رئيس منظمة إرشاد المستهلك لطفي الرياحي بوضع سقف لهوامش الربح وتفعيل الرقابة على مسالك التوزيع.
وخلصت التحليلات إلى أن تونس نجحت في إدارة الأزمة المالية وتجنب السيناريوهات الأسوأ، لكنها لا تزال تواجه تحديات هيكلية عميقة. وأكد المختصون أن المرحلة المقبلة تتطلب إصلاحات جذرية تتجاوز الاستقرار النقدي لتصل إلى تحفيز الاستثمار وخلق فرص عمل مستدامة لتحسين معيشة التونسيين.







