عوده مرشد السراحين الحجايا نموذجاً وسيبقى

{title}
راصد الإخباري -



في مشهد يعكس أسمى معاني الوفاء والالتزام العشائري الأصيل، يبرز اسم عوده مرشد السراحين الحجايا، المعروف بـ"أبو محمد"، كواحد من أبرز رجالات البادية الجنوبية والوسطى الذين حُفرت سيرتهم في وجدان القبائل، ليس بمنصب أو جاه، بل بمواقفه النبيلة التي لا تُنسى، حيث يجمع الكل، قاسيهم ودانيهم والكبير والصغير، على شهادته بأنه لم يتخلف يوماً عن واجب، سواء في أوقات الفرح التي تملأ القلوب بهجة، أو في أوقات الترح التي تثقلها الأحزان.

فـ"أبو محمد" هو نموذج فريد للبدوي الشهم الذي جعل من إجابة الدعوة والتخفيف عن الناس نهجاً لا يحيد عنه. فهو يترك أغنامه التي تشكل قوام حياته ورزقه، ويغادر مرابطه في الصحراء، متجهاً إلى حيث يكون الواجب، أينما كان ذلك المكان. 

ولا يقف ابو محمد عنده حد القبيلة، فهو يستجيب للدعوات داخل قبيلة الحجايا وخارجها على حد سواء، مؤمناً بأن المواساة والمشاركة في المناسبات العامة هي أوثق عرى التواصل الإنساني بين أبناء المجتمع الواحد، وأن التخلي عن الواجب في تلك اللحظات لا يليق بكرامته البدوية الراسخة.

وما يثير الإعجاب والدهشة حقاً في سيرة هذا البدوي الأصيل، هو إصراره المذهل على تلبية الدعوة حتى في أصعب الظروف. ففي حال كان أبناؤه مشغولين بأعمالهم أو دوامهم الرسمي، أو لم يجدوا متسعاً من الوقت لنقله، لا يتردد "أبو محمد" لحظة، ولا يعتبر ذلك عذراً يمنعه من أداء ما يراه حقاً واجباً مقدساً. إذ يخرج إلى الشارع العام، ويقف لساعات طويلة تحت وهج الشمس الحارقة أو في برد الليل القارس، يترقب قدوم أي مركبة أو "مواصلات" تقله إلى وجهته، سواء أكانت عزاء يشارك فيه الحزين أحزانه، أم فرحاً يضفي عليه بهجته، فيصل ويؤدي واجبه بكل رضا وانشراح، غير آبه بالمشقة أو طول الانتظار.

هذا الإصرار القوي وهذا العزم الذي لا يلين، جعل من "أبو محمد" مثالاً يحتذى به في الالتزام بالعهود والمواثيق العشائرية، ودليلاً حياً على أن الكرم والوفاء صفات أصيلة لا تزال تنبض في قلوب رجال البادية، وأن قيمة الرجل ليست في امتطاء السيارة الفارهة، بل في صدق النية وقوة العزيمة. لقد أثبت أن الواجب لا يُقاس بسهولة الطريق أو توفر الوسائل، بل بحجم المسؤولية التي يحملها الفرد تجاه مجتمعه وأهله، وهو ما جعله محط تقدير واحترام الجميع.

وفي هذا السياق، لا يملك الأهل والأصدقاء وأبناء عشائر الحجايا، إلى جانب كل من عرف هذا الرجل الشهم، إلا أن يرفعوا أكف الدعاء إلى المولى عز وجل، سائلين الله تعالى أن يطيل في عمر "أبو محمد" ويمده بموفور الصحة والعافية، ليبقى رمزاً للعطاء وراعياً للواجب، ونبراساً يضيء درب الأجيال في حب الخير والتواصل المجتمعي، وسيرته الطيبة ستظل تتناقلها الألسن في مجالس البادية، كواحدة من أروع قصائد الوفاء التي لا تحتاج إلى حبر لتُكتب، بل تكتبها المواقف في قلوب الرجال.