نريد أن نسمع صوت المثقف الأردني

{title}
راصد الإخباري -



‏حسين الرواشدة

‏النقاشات "الملغومة" التي دارت على هامش انتخابات رابطة الكتاب الأردنيين تطرح من جديد سؤال : أين المثقف الأردني ؟ آخر ما يخطر في بالي أن أُعلّق على هذه النقاشات التي كشفت ضجيج المثقفين في بلدنا، أريد ، فقط ، ان أقول : معظم روابطنا ومؤسساتنا الثقافية التي غرقت في مستنقع السياسة وأجنداتها الخارجية عجزت ،للأسف ، عن إفراز حالة ثقافية تمثل الأردن ، أو تقديم مثقفين، رجالات دولة،  يعبرون عن ضمير المجتمع الأردني.

‏هذا لا يعني ، أبداً،  أن بلدنا يعاني من فقر ثقافي ، أو أن "الرحم"  الأردنية لم تنجب مثقفين يستحقون الاحترام والتكريم ، على العكس تماماً ، لدينا إرث ثقافي نعتز به، ولدينا مثقفون ؛ كتاباً وشعراء وفنانين ، لهم بصمات في وعينا ووجداننا،  بعضهم تخطى حدود المحلية ، المشكلة ان اغلبية هؤلاء غابوا أو تم تغييبهم عن المشهد الثقافي ، كما أن " ماكينة" ثقافية أخرى تحركت بعكس الاتجاه لاختطاف ثقافة المجتمع ووعيه، نجحت أحياناً وفشلت أحياناً أخرى . 

‏حصل ذلك باسم الدين الذي تم إقحامه بالمشهد لحسابات سياسية ،  او باسم قضايا وأنظمة وإيديولوجيات  لا علاقة لبلدنا بها،  فيما اختفى المنجز الثقافي الذي يمثل هوية الأردن وتاريخه ، ويناقش همومه ويخاطب وجدانه،  تم ذلك في إطار حصارين تعرض لهما بلدنا وما يزال ؛ حصار الجغرافيا وحصار التاريخ ، لم ننتج للأسف ثقافة ذات بصمة أردنية تتحرك في حياتنا ، وتبرز هويتنا ،وتؤثر في سلوكنا العام.

‏في هذا الإطار تشكلت في بلدنا "ثقافة هجينة" لم تخرج من طينة الشخصية الأردنية ولم تعكس سماتها ، كما ازدهرت أسواق ثقافية مزدحمة بالمعروضات التي تستهدف أحيانا الإساءة للذات الأردنية أو اختزالها في قوالب غير صحيحة ، خذ مثلا بعض عروض الدراما والأغاني والروايات وغيرها من الاصناف الثقافية ، فيما لم تحظ الأعمال الثقافية التي اعتنت بالشخصيه الأردنية وامتداداتها في الزمان والمكان والإنجاز بما يلزم من اهتمام، هذه ظلت حبيسة الإدراج ولم تخرج عن رفوف المكتبات إلى الفضاء العام والمسارح والشاشات ، ولهذا لم تحدث التغيير المطلوب في السلوك الاجتماعي العام.

‏أعرف أسماء مثقفين اردنيين اعتز بما أنجزوه ، لكن هؤلاء يتحركون بطاقاتهم الفردية ، وسط ضجيج ثقافي أصبحت فيه الكلمة العليا لرواد التفاهة وأصحاب الصالونات ومتلقي التمويلات ورعاة الأجندات ، وفي غياب إرادة حقيقية لصناعة ثقافة أردنية ثقيلة ، ذات خصوصية تؤثر في قناعات الأردنيين،  وتكسر الأساطير التي تأسس عليها جزء من الوعي  الثقافي الصحيح على الأردن ،  أصبحت مطالب التغيير أو محاولات بناء الوعي لدى الأردنيين على الأردن مجرد آمال أو محاولات متعسرة.

‏ما لم نبدأ ، وعلى الفور،  بحركة ثقافية جادة ومدروسة ، يتصدرها مثقفون أردنيون يؤمنون بالأردن ، ويتحدثون عنه بالأصالة لا بالوكالة،  ويقدمون أعمالاً تليق ببلدنا ، وتعكس أجمل ما لدينا ، وتنطلق من مرتكزاتنا القيمية وتتناسب مع العصر،  بحيث يصبح هؤلاء المثقفون نماذج ملهمة لأجيالنا ، فإن أي أسئلة يمكن أن نطرحها عن المثقف الأردني وغيابه،  أو عن بقاء المجتمع أسيراً  لإنصاف  مثقفين، أو لثقافة معلبة وجاهزة، او عن  سردية اردنية أو دراما أو روابط ووسائط ثقافية أو غيرها ، ستظل مثل هذه الأسئلة برسم التنظير لا التدبير ، ومجرد حديث عن الثقافة لا فعل ثقافي حقيقي ، هذا الفعل يحتاج إلى جناحين: ادارات دولة ترعى وتنظم ، و"مثقفوا دولة" ينجزون ويحظون بالرعاية والتكريم.