د. فواز عبد الحق بذرة في الروح لا تموت

{title}
راصد الإخباري -




​رغم انقضاء أكثر من أربعة عقود على تلك الأيام التي قضيناها على مقاعد الدراسة في مرحلة "التوجيهي"، ورغم تعاقب الأيام وتبدل الأحوال، لا تزال في ذاكرتي صورة الدكتور الفاضل، أستاذي الدكتور فواز عبد الحق، وهو يقف أمامنا في غرفة الصف،المتواضعة ليس كمعلمٍ يلقي درساً، بل كفنانٍ يرسم مستقبلنا على السبورة.
​ما زلتُ أرى حتى اليوم تلك اللهفة في عينيه، وذلك الإجلال الذي كان يحمله وهو يقف أمام السبورة. كانت يداه تُعانقان الطباشير، تُغطيان بالغبار الأبيض وكأنهما تغزلان من نور العلم خيوطاً لفهمنا. أتذكر كيف كان العرق يتصبب من على جبينه، يتسابق مع الزمن، وهو يروح ويجيء بين جنبات اللوح، يكتب ويمسح، يكتب ويشرح، في حركة دؤوبة لا تعرف الكلل. كان يمنحنا من روحه وعرقه في الحصة التي لا تتجاوز خمس وأربعين دقيقة، لم يكن يضيع فيها ثانية واحدة؛ كان حريصاً كل الحرص على أن تصلنا المعلومة بكل إخلاص وروية، وكأنه يغرس فينا أمانةً لا مجرد نصوصٍ للحفظ.
​ولقد كان من بين ما غرس في وجداني تلك الجملة التي لم تغادر ذاكرتي قط: "How could a man reap where he had sown no seed?".ما زلت اذكر تلك الجملة وأحفظها حرفا حرفا لانها كانت ملخص درس من دروس المنهاج الذي كنا نتابعه حذو القذ بالقذ. 
وما زلت اذكر ايضا رواية: The Old Man and the Sea)  للكاتب إرنست همنغواي. 
والتي كان ملخصها الصراع الكائن بين الانسان والطبيعة حيث حفظنا عن لسان استاذنا فواز تلك الجملة الملخصة للرواية والتي كررها علينا عشرات المرات لنحفظها بذاكرتنا: 
The conflict between man and nature
 لم تكن تلك العبارات مجرد تمرين في القواعد، او جمل عابرة لدرس اجتزناه، بل كانت درساً في فلسفة الحياة، وعنواناً للعدالة، ومبدأً سار عليه ضميري طوال مسيرتي.
 لقد علمني الدكتور فواز، بجهده المتفاني وبكلماته الحكيمة، أن الثمار لا تأتي دون غرس، وأن المجد لا يُنال إلا بالسعي.
​إن المعلم المخلص هو ذاك الذي يترك في قلب طالبه أثراً يتجاوز حدود الكتاب والسبورة.
 الدكتور فواز عبد الحق لم يكن يعطِنا علماً فحسب، بل أعطانا "مفاتيح" لفهم الحياة، ووضع في نفوسنا بذوراً من الوعي ما زالت تُزهر في عقلي وقلبي رغم السنين.
 لا أجد من الكلمات ما يوفي هذا الرجل حقه، ولا أملك إلا أن أرفع يدي بالدعاء له بالصحة والعافية، شاكراً له هذا الإرث الذي لا يندثر، ومؤمناً بأن المعلمين هم البناة الحقيقيون الذين يظلون بجهدهم وعرقهم مناراتٍ تضيء لنا الطريق أبد الدهر.
د.  تيسير الغول