اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا.. ابرز البنود
نجحت بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي الست في ابرام اتفاقية تجارة حرة تاريخية وشاملة، وذلك بعد اختتام الجولة النهائية من المفاوضات المكثفة في العاصمة البريطانية لندن.
وتمثل هذه الاتفاقية محطة استراتيجية بارزة لتعزيز النمو الاقتصادي وخفض الحواجز التجارية وجذب الاستثمارات الطموحة بين بريطانيا والكتلة الخليجية التي تعد واحدة من اهم القوى الاقتصادية الناشئة عالميا.
كما تاتي هذه الاتفاقية لتمثل نجاحا كبيرا لبريطانيا في تحويل بوصلتها التجارية نحو الاسواق الناشئة ذات الملاءة المالية العالية، اما بالنسبة لدول الخليج فلا تتعلق الاتفاقية فقط ببيع النفط لبريطانيا بل تتعلق بنقل المعرفة وجذب الاستثمارات.
وجاء الاعلان المشترك خلال اجتماع رسمي ضم وزير الدولة البريطاني لسياسة التجارة السير كريس براينت والامين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي.
وتضع هذه الاتفاقية التاريخية بريطانيا في الترتيب بوصفها اول دولة من مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى التي تنجح في ابرام اتفاقية تجارة حرة شاملة مع مجلس التعاون الخليجي، وتمثل السوق الخليجية المشتركة اليوم قوة اقتصادية ضخمة بناتج محلي اجمالي مجمع يبلغ 1.9 تريليون جنيه استرليني وسوقا استيرادية هائلة تقدر قيمتها الحالية بنحو 1.04 تريليون دولار، وفق ما نشرته وزارة الاقتصاد البريطانية، مع توقعات تشير الى تضاعف حجم هذا السوق من الناحية الفعلية بحلول عام 2050 تماشيا مع خطط التحول الاقتصادي الاقليمية.
وتشير التقديرات الرسمية البريطانية الى ان الاتفاقية ستسهم في دعم الاقتصاد البريطاني بنحو 3.7 مليار جنيه استرليني سنويا على المدى الطويل، الى جانب رفع الاجور الحقيقية للعمال البريطانيين بمقدار 1.9 مليار جنيه استرليني سنويا.
وباضافة هذه النتائج الى الاتفاقيات البريطانية المبرمة مؤخرا مع الهند يتوقع ان يضيف الاتفاقان معا اكثر من 8 مليارات جنيه استرليني سنويا للاقتصاد البريطاني، كما يتوقع الخبراء ان تشهد حركة التجارة البينية -البالغة حاليا 53 مليار جنيه استرليني- قفزة بنسبة 19.8 في المائة، ما يضيف نحو 15.5 مليار جنيه استرليني سنويا الى مجمل التبادل التجاري البريطاني الخليجي على المدى الطويل.
وفي شق النفاذ الى اسواق السلع التزم مجلس التعاون الخليجي بتحرير كامل لـ90 في المائة من خطوط التعريفة الجمركية لديه خلال 10 سنوات من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، وسيترتب على ذلك الغاء الرسوم الجمركية عن نحو 93 في المائة من الصادرات البريطانية الى الخليج، وهو ما يوفر على الشركات البريطانية تكلفة رسوم تقدر بنحو 580 مليون جنيه استرليني سنويا، على ان يتم الغاء ما قيمته 360 مليون جنيه استرليني من هذه الرسوم فورا في اليوم الاول لتفعيل الاتفاقية.
وستستفيد قطاعات رئيسية في بريطانيا من هذا الالغاء؛ حيث ستعفى صادرات محركات الطائرات التوربينية واجزاء الفضاء (التي تواجه حاليا رسوما بنسبة 5 في المائة) فورا، الى جانب قطاعات الالات والالكترونيات والسيارات؛ اذ ستلغى الرسوم مباشرة عن 90 في المائة من صادرات السيارات البريطانية الحالية بما فيها السيارات الهجينة، في حين ستلغى الرسوم عن السيارات الكهربائية وبطارياتها بعد 10 سنوات لدعم سلاسل التوريد والتحول نحو الحياد الصفري.
كما ستنال الصادرات الزراعية والغذائية البريطانية (البالغة قيمتها 839 مليون جنيه استرليني) ميزة تنافسية كبرى عبر الالغاء الفوري للرسوم على منتجات الاجبان والشوكولاته والبسكويت وسلمون اسكوتلندا المدخن، وفي المقابل ستقوم بريطانيا بتحرير التعريفة الجمركية على كل الصادرات الخليجية الحالية اليها منذ اليوم الاول لدعم سلاسل الامداد وخفض تكاليف المدخلات للشركات البريطانية، مع استثناء منتجات لحوم الخنزير والدواجن والبيض من هذا التحرير، وتعهدت اجهزة الجمارك في الجانبين بتسريع اجراءات الفسح الجمركي للبضائع المطابقة للاشتراطات خلال 48 ساعة فقط، مع تقليص المدة الى 6 ساعات للسلع سريعة التلف، واتاحة خيار التخليص الذاتي للمنشات الصغيرة والمتوسطة.
تقدم الاتفاقية حزمة من المزايا هي الافضل من نوعها التي تمنحها دول الخليج لاي شريك دولي في قطاع الخدمات؛ حيث تضمن بيئة تنظيمية مستقرة ومتوقعة لقطاعات الخدمات المالية والقانونية والهندسية والانشائية البريطانية، وحصلت بريطانيا على التزامات ملزمة من دول الخليج تضمن حرية التدفق الحر للبيانات المالية وحظر متطلبات توطين البيانات الجائرة او غير المتناسبة، ما يتيح للبنوك وشركات التكنولوجيا المالية البريطانية تخزين ومعالجة بياناتها خارج المنطقة وادارة اعمالها بكفاءة ومرونة عالية.
كما تضمن الاتفاقية معاملة الشركات البريطانية في قطاعات خدمات عديدة على قدم المساواة مع نظيراتها المحلية الخليجية وتضع قيودا تمنع فرض قيود مستقبلية على نسب الملكية الاجنبية او اشتراط تاسيس مقار محلية لتقديم الخدمة، وهو ما يشكل انتصارا كبيرا للشركات الناشئة والصغيرة التي تسعى للتوسع دوليا بتكلفة منخفضة، وتضمنت الاتفاقية ملحقا خاصا بالاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية لتسهيل حركة المهنيين والخبراء بين الجانبين، مع الحفاظ الكامل على استقلالية الجهات التنظيمية المحلية في بريطانيا والخليج لتقييم ووضع المعايير المهنية.
تتضمن الاتفاقية فصلا حديثا ومتقدما لقطاع الاستثمار يهدف الى حماية راس المال وتعزيز ثقة المستثمرين؛ حيث توفر مستويات حماية للمستثمرين البريطانيين في الاسواق الخليجية مع صيانة حق الحكومات في التنظيم التشريعي للمصلحة العامة، وتقنن الاتفاقية الية مستقلة لتسوية النزاعات بين المستثمرين والدول.
وتهدف هذه الضمانات القانونية المشتركة الى ترسيخ مكانة المملكة المتحدة بوصفها وجهة رئيسية اولى لتدفقات رؤوس الاموال وصناديق الثروة السيادية الخليجية الاربعة الكبرى التي تدير اصولا تتجاوز قيمتها 3.4 تريليون دولار.
وبموجب هذه الاتفاقية ستنهي بريطانيا اتفاقيات الاستثمار الثنائية القديمة المبرمة سابقا مع كل من سلطنة عمان والبحرين فور دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.
تضع هذه الاتفاقية اللمسات الاخيرة على جيل جديد من الشراكات الدولية البريطانية التي تسعى لتحويل الدبلوماسية العالمية الى نتائج اقتصادية ملموسة ترفع مستويات المعيشة للجميع، ويعكف المفاوضون من كلا الجانبين حاليا على استكمال الصياغات القانونية النهائية للنص والتحقق منها رسميا تمهيدا لاتخاذ الترتيبات الرسمية لتوقيع الاتفاقية.
وعقب التوقيع ستمر الاتفاقية بالقنوات والاجراءات البرلمانية والحكومية اللازمة في المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي لتدخل بعدها حيز التنفيذ الفعلي وتفتح فصلا جديدا من الازدهار الاقتصادي المشترك.







