تصدعات في سوق الائتمان الخاص تثير مخاوف من تكرار ازمة بنوك الظل
تشهد الاسواق المالية العالمية حالة من الاستنفار مع ظهور تصدعات واضحة في قطاع الائتمان الخاص. وهي السوق التي طالما اعتبرت نظام ظل بعيدا عن الرقابة الصارمة.
بدات ملامح الازمة تتبلور مع لجوء كبار مديري الاصول في العالم الى تقييد عمليات السحب. مما اعاد الى الاذهان ذكريات عام 2007 عندما بدات صناديق الرهن العقاري في الولايات المتحدة بفرض قيود مماثلة قبل الانفجار الكبير للازمة المالية العالمية. ورغم ان حجم سوق الائتمان الخاص حاليا يبلغ نحو تريليوني دولار. وهو اقل بكثير من حجم سوق الرهن العقاري في 2007 الذي تجاوز 7 تريليونات دولار. غير ان الضبابية التي تلف هذا القطاع وتشابكه مع النظام المصرفي التقليدي ترفع من وتيرة القلق.
قال خبراء ماليون ان سوق الائتمان الخاص يواجه تحديات كبيرة تتطلب مراقبة دقيقة وتقييم للمخاطر المحتملة.
تخبط الشركات الكبرى في مواجهة ازمة السيولة
كشفت تقارير اقتصادية ان ملامح الضغط بدات تظهر بوضوح عندما اعلنت شركة بلاك روك. اكبر مدير للاصول في العالم. وضع قيود على عمليات الاسترداد من احد صناديق الديون الرئيسية لديها البالغ قيمته 26 مليار دولار. اثر قفزة مفاجئة في طلبات السحب.
بينت مصادر مطلعة انه مع تسارع وتيرة الذعر. شهدت كواليس كبار مديري الاصول حالة من التخبط بين محاولات التهدئة والواقع المرير لنقص السيولة؛ ففي البداية. حاولت شركة بلاكستون احتواء الموقف عبر رفع سقف الاسترداد في صندوقها الضخم BCRED الى 7 في المائة لتلبية طلبات السحب القياسية. بل وذهب كبار شركائها الى ضخ 150 مليون دولار من اموالهم الخاصة لسد فجوة السيولة وتجنب فرض قيود قسرية. غير ان هذه الخطوة الاسعافية سرعان ما فقدت اثرها وتحولت الى مصدر قلق اضافي عندما قامت بلاك روك باتخاذ اجراء صادم. حيث شطبت قيمة ديون ثانوية من قيمتها الكاملة الى صفر في غضون ثلاثة اشهر فقط. معلنة في الوقت ذاته فرض قيود صارمة على عمليات السحب بنسبة 5 في المائة رغم وصول طلبات الاسترداد الى 9.3 في المائة.
اوضح خبراء ان هذا التضارب الصارخ بين محاولات بلاكستون لشراء الوقت بضخ السيولة. واعتراف بلاك روك بانهيار قيمة الاصول وشطبها تماما. كان بمثابة رصاصة الرحمة التي كشفت للاسواق هشاشة التقييمات الورقية. واكدت ان الازمة لم تعد مجرد نقص في النقد. بل هي تاكل عميق في صلب الاصول الائتمانية. وهو ما اجبر شركات اخرى مثل بلو اول Blue Owl وكليف ووتر على تقييد السحب تباعا.
تحذيرات من نظرية الصراصير في سوق الائتمان
نقلت مصادر اقتصادية ان التحذيرات لم تقتصر على خبراء الاستثمار. بل دخل الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورغان. جيمي ديمون. على خط الازمة ليطلق تحذيرا مدويا وصفه المحللون بـ توصيف اللحظة. حيث استند الى حكمة قديمة في الاسواق المالية قائلا: عندما ترى صرصارا واحدا. فمن المرجح ان هناك الكثير غيره في اشارة واضحة الى ان حالات الافلاس والتعثر التي ظهرت في شركات مثل تريكولور لبيع السيارات وفيرست براندز ليست حوادث فردية. بل هي نذير بوجود عيوب هيكلية عميقة في قطاع الائتمان الخاص برمته.
بينت مصادر مصرفية ان جي بي مورغان لم يتوقف عند حدود التحذير اللفظي. بل اتخذ خطوات عملية تعكس حجم التوجس. حيث بادر البنك الى تخفيض القيمة التقديرية للقروض التي منحتها بعض صناديق الائتمان الخاص لشركات البرمجيات. وقام بتقليص خطوط الائتمان الممنوحة لتلك الصناديق.
اشار محللون ماليون الى ان هذه الخطوة من اكبر بنك في الولايات المتحدة كانت بمثابة اعتراف رسمي بان المخاطر قد انتقلت بالفعل من نظام الظل لتطرق ابواب النظام المصرفي التقليدي. مما وضع ضغوطا هائلة على مديري الاصول الذين يعتمدون على هذه الخطوط الائتمانية لتمويل عملياتهم اليومية.
قطاع البرمجيات يواجه تحديات كبيرة
اظهرت بيانات اقتصادية ان احد اكثر التفاصيل اثارة للقلق هو الانكشاف الهائل للصناديق على قطاع التكنولوجيا والبرمجيات. تشير البيانات الى ان قروض البرمجيات تشكل ما يصل الى 55 في المائة من بعض المحافظ الائتمانية.
اوضحت مصادر استثمارية انه مع الثورة المفاجئة في الذكاء الاصطناعي. تغيرت قواعد اللعبة؛ حيث بدات الاسواق تتساءل عن الجدوى الاقتصادية للعديد من شركات البرمجيات التقليدية التي اقترضت بمليارات الدولارات.
بينت تقارير مالية ان هذا الشك ادى الى انهيار اسعار اسهم عمالقة الائتمان مثل كي كي ار وابولو بنسبة تتراوح بين 30 في المائة الى 45 في المائة.
تداعيات الازمة تمتد الى القطاعات المصرفية
كشفت مصادر مصرفية ان الازمة لم تعد حبيسة صناديق الاستثمار. بل بدات تظهر في الميزانيات العمومية للبنوك الكبرى. دويتشه بنك اصبح المثال الحي لهذا التداخل. حيث بلغت محفظته من الائتمان الخاص نحو 30 مليار دولار. وهو رقم ضخم يمثل 5 في المائة من اجمالي قروض البنك.
قال خبراء ان الخطورة تكمن في ان هذه القروض مسجلة بـ التكلفة المطفاة. اي انها لا تعكس القيمة السوقية الحقيقية المتدهورة.
مخاوف من الفساد وسوء الاكتتاب
اكدت شركة بيمكو ان الازمة الحالية ليست مجرد تقلبات سوق. بل هي نتيجة اكتتاب سيئ للغاية مبني على افتراضات واهمة بان الاحتياطي الفيدرالي لن يرفع الفائدة ابدا.
بينت تقارير ان الاخطر من ذلك هو ظهور تقارير عن حالات احتيال وتراخ تقني في فحص الضمانات والتدقيق في بيانات المقترضين. هذا الغموض جعل المستثمرين يفترضون ان الفساد موجود في كل مكان. مما ادى الى انهيار الثقة تماما. وهو ما يفسر تراجع سندات الائتمان عالي العائد CLO بنسبة 4.1 في المائة في شهر واحد فقط. بعد ان كانت تحقق مكاسب مستقرة.
تداعيات اجتماعية واقتصادية للازمة المالية
اوضح خبراء اقتصاديون ان ما يجعل هذه الازمة اجتماعية بامتياز هو تورط المستثمرين الافراد. لقد تم تسويق الائتمان الخاص لهؤلاء كبديل امن ومدر للدخل. لترتفع حصتهم الى 16.6 في المائة من السوق. اليوم. هؤلاء المستثمرون محاصرون داخل صناديق مغلقة البوابات. وعلى مستوى الاقتصاد الكلي. فان هذا التدهور سيؤدي حتما الى تضيق ائتماني؛ حيث ستتوقف الصناديق عن الاقراض. وسترفع البنوك معاييرها. مما سيحرم الاف الشركات المتوسطة من التمويل. في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تقلبات حادة في اسعار الطاقة وشبح الركود التضخمي.







