الاسواق تستعد لتثبيت مطول للفائدة الفيدرالية
تشهد التوقعات المتعلقة بسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الاميركي تحولا حادا في الفترة الاخيرة. اذ انتقل النقاش من سؤال توقيت خفض اسعار الفائدة الى مدى استمرارها عند مستويات مرتفعة. بل وتزايدت الرهانات في الاسواق على احتمال زيادات طفيفة تمتد حتى عام 2027.
اوضح خبراء ماليون ان تسعير العقود المستقبلية يعكس هذا التحول بوضوح. حيث كانت التقديرات قبل نحو 3 اشهر تشير الى خفض للفائدة بمقدار مرتين او 3 مرات خلال العام الحالي. بينما باتت الاسواق حاليا تسعر احتمال زيادات تراكمية تقارب 30 نقطة اساس (0.30 في المائة) بحلول عام 2027. وهو ما يضع ضغوطا اضافية على الاصول المالية المختلفة.
بين محللون ان هذه التغيرات انعكست مباشرة على سوق السندات الاميركية. حيث شهدت العوائد اعادة تسعير لافتة. فقد استقر العائد على سندات الخزانة لاجل 10 سنوات عند 4.56 في المائة. بعد ان بلغ ذروة عند 4.67 في المائة في 19 مايو (ايار). في حين وصل العائد على السندات لاجل 30 عاما الى 5.06 في المائة.
اضافوا انه على مستوى العوائد الحقيقية. فقد ارتفع العائد على سندات الخزانة المحمية من التضخم (TIPS) لاجل 10 سنوات الى 2.18 في المائة. مقارنة بـ1.91 في المائة مطلع مايو. ما يعكس تشددا فعليا في الظروف المالية. بعيدا عن تاثيرات التضخم الاسمية.
كشفت مصادر اقتصادية ان هذا التحول في المشهد النقدي يقوم على 4 عوامل رئيسية.
اولا: عودة الضغوط التضخمية من مصادر جديدة.
بينت المعطيات ان التضخم بات يتغذى من قنوات غير تقليدية. ابرزها ارتفاع اسعار النفط والسياسات التجارية الحمائية. الى جانب الطلب القوي المرتبط بدورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق. ترى مؤسسات بحثية مثل ستاندرد اند بورز غلوبال ان هذه الضغوط قد تدفع الفيدرالي الى ابقاء السياسة النقدية مشددة او حتى رفع الفائدة. فيما تؤكد ار بي سي ايكونوميكس استمرار عناد التضخم رغم قوة سوق العمل.
ثانيا: صمود الاصول الخطرة.
اوضح خبراء انه على خلاف النماذج التقليدية. لم يؤد ارتفاع العوائد الحقيقية الى تراجع ملحوظ في اسواق الاسهم. اذ واصل مؤشر ستاندرد اند بورز 500 تحقيق مكاسب. مع تداول مضاعف الربحية المستقبلي عند مستوى 21 مرة. هذا الاداء يعكس استمرار الزخم الاقتصادي ويقلص مساحة التيسير النقدي امام الفيدرالي.
ثالثا: اتساع العلاوة المالية.
في ظل تصاعد العجز المالي الاميركي وارتفاع مستويات الدين. يطالب المستثمرون بعوائد اعلى للاحتفاظ بالسندات طويلة الاجل. ويظهر ذلك في اتساع الفجوة بين عوائد السندات قصيرة وطويلة الاجل. بما يعكس تسعيرا متزايدا لمخاطر المالية العامة.
رابعا: انتقال الضغوط عالميا.
لم يقتصر ارتفاع العوائد على الولايات المتحدة. بل امتد الى اسواق السندات في بريطانيا واليابان. الى جانب ضغوط متزايدة في اسواق التمويل قصيرة الاجل. وتشير تقارير الى ارتفاع حاد في معدلات سوق اعادة الشراء الاميركية (الريبو). في مشهد يعيد الى الاذهان ازمة السيولة في عام 2019. مع تزايد الاقتراض الحكومي واستمرار سياسة التشديد الكمي عبر تقليص الميزانية العمومية.
تنعكس هذه البيئة النقدية على فئات الاصول بشكل متفاوت. ففي سوق السندات. تستفيد الادوات طويلة الاجل من عوائد مرتفعة تتجاوز 5 في المائة. لكنها تبقى عرضة لخسائر سعرية كبيرة في حال استمرار صعود العوائد. نظرا للعلاقة العكسية بين السعر والعائد. في المقابل. تبدو السندات متوسطة الاجل اقل حساسية لهذه التقلبات.
اما في سوق الاسهم. فتواجه الاسهم الموزعة للارباح. مثل شركات المرافق وصناديق الاستثمار العقاري. ضغوطا متزايدة مع ارتفاع العائد الخالي من المخاطر فوق 4 في المائة. ما يقلص جاذبيتها النسبية.
وفي قطاع اسهم النمو. تتفاقم الحساسية تجاه ارتفاع معدلات الخصم. اذ يؤدي ارتفاع العوائد الحقيقية الى تقليص القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية. حتى في ظل استمرار الانفاق الراسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي عند مستويات قياسية.
في المقابل. يعد المستثمرون الباحثون عن الدخل الثابت. خصوصا المتقاعدين. من ابرز المستفيدين من البيئة الحالية. اذ اعادت مستويات الفائدة المرتفعة جاذبية ادوات الادخار الامنة بعد سنوات من العوائد القريبة من الصفر. وهو ما اكدته الخبيرة المالية سوز عمران.
رغم قوة الاتجاهات الحالية. لا يزال السؤال مفتوحا حول ما اذا كان الاقتصاد العالمي قد انتقل الى نظام دائم من اسعار الفائدة المرتفعة. فالمشهد لا يزال قابلا للتغير. اذ يرى بعض المحللين ان اي تهدئة جيوسياسية محتملة. مثل التوصل الى اتفاق بين الولايات المتحدة وايران. قد تؤدي الى تراجع اسعار النفط. وبالتالي تخفيف الضغوط التضخمية. ما يعيد توجيه توقعات الفائدة نحو مسار اكثر انخفاضا ويغير اتجاه الاسواق مجددا.







