الصين تضبط الدعم المحلي لمواجهة تباطؤ الائتمان
تواجه الصين تحديات اقتصادية متزايدة مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان وتباطؤ النشاط الاقتصادي. دفع ذلك الحكومة إلى التحرك على مسارين متوازيين هما تشديد الرقابة على الإعانات المالية التي تقدمها الحكومات المحلية والبحث عن أدوات جديدة لدعم النمو وتحفيز الطلب الداخلي.
تأتي هذه الخطوات في وقت أظهرت فيه بيانات رسمية تراجع القروض المصرفية الجديدة بأكثر من المتوقع خلال شهر فبراير الماضي. يعكس ذلك استمرار الحذر لدى الشركات والأسر في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
أعلن مجلس الدولة الصيني خلال اجتماع برئاسة رئيس الوزراء لي تشيانغ عن توجه جديد لتنظيم سياسات الدعم المالي التي تقدمها الحكومات المحلية.
اجراءات للحد من التشوهات في المنافسة
أفادت وسائل الإعلام الرسمية بأن بكين تعتزم إنشاء آلية قائمة سلبية تحدد الحالات التي يمنع فيها على السلطات المحلية تقديم إعانات مالية. تهدف هذه الخطوة إلى الحد من التشوهات في المنافسة وتعزيز بناء سوق وطنية موحدة.
يرى صناع القرار في بكين أن الدعم المالي المحلي غير المنظم قد يؤدي إلى منافسة غير متكافئة بين المناطق الصينية. إذ تسعى بعض الحكومات المحلية إلى جذب الاستثمارات عبر حوافز مالية كبيرة قد تضعف كفاءة السوق وتخلق اختلالات في توزيع الموارد.
شدد مجلس الدولة على ضرورة تحسين دقة السياسات وفاعليتها واعتماد إجراءات عملية أكثر انضباطا في تقديم الدعم الحكومي.
تراجع القروض وانخفاض الطلب
يأتي هذا التحرك التنظيمي في وقت تواجه فيه الصين تباطؤا ملحوظا في الطلب على الائتمان. فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن القروض الجديدة المقومة باليوان بلغت نحو 900 مليار يوان في فبراير.
انخفضت القروض الجديدة بشكل حاد مقارنة بـ4.71 تريليون يوان في يناير وأقل من توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 979 مليار يوان.
على الرغم من أن تراجع الإقراض في فبراير يعد ظاهرة موسمية إلى حد ما بسبب زيادة القروض في بداية العام وعطلة رأس السنة القمرية التي تقلل النشاط الاقتصادي فإن البيانات تشير أيضا إلى ضعف هيكلي في الطلب خصوصا من جانب الأسر.
تأثير أزمة العقارات على ثقة المستهلك
سجلت قروض الأسر بما في ذلك قروض الرهن العقاري انخفاضا بنحو 650.7 مليار يوان خلال الشهر بعدما كانت قد ارتفعت في يناير بنحو 456.5 مليار يوان.
يعكس هذا التراجع استمرار تأثير أزمة سوق العقارات الممتدة منذ سنوات والتي أضعفت ثقة المستهلكين وأثرت على الإنفاق والاقتراض.
يشير محللون إلى أن برامج دعم فوائد القروض الاستهلاكية التي أطلقتها الحكومة لم تحقق حتى الآن تأثيرا كبيرا في تحفيز الطلب حيث لم ترتفع قروض الأسر إلا بنسبة طفيفة للغاية على أساس سنوي.
سياسة نقدية توسعية لدعم الاقتصاد
في المقابل أظهرت البيانات أن قروض الشركات سجلت انتعاشا محدودا وهو ما قد يعكس تأثير إجراءات التيسير النقدي الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي الصيني. فقد أكد محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغشنغ أن بلاده ستواصل اتباع سياسة نقدية توسعية معتدلة خلال العام الحالي مع استخدام أدوات مثل خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي وأسعار الفائدة بشكل مرن لدعم الاقتصاد.
يرى بعض الاقتصاديين أن المجال المتاح لمزيد من التيسير النقدي قد يكون محدودا في الأجل القريب. فحسب تشو هاو كبير الاقتصاديين في شركة غوتاي جونان الدولية فإن المخاوف المتعلقة بالتضخم قد تقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي قريبا ما يعني أن الجزء الأكبر من الدعم الاقتصادي قد يأتي عبر السياسة المالية وليس النقدية.
في هذا السياق أعلنت بكين بالفعل مجموعة من الإجراءات لتعزيز الطلب المحلي ودعم القطاعات الاستراتيجية. فقد حددت الحكومة هدف نمو اقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 في المائة لعام 2026 وهو أقل قليلا من هدف العام الماضي في إشارة إلى توقعات أكثر حذرا لمسار الاقتصاد.
اجراءات لتعزيز الاستقرار المالي
كشفت السلطات عن خطط لضخ 300 مليار يوان في البنوك الحكومية الكبرى لتعزيز قدرتها على الإقراض ودعم الاستقرار المالي. إضافة إلى ذلك ستخصص الحكومة 250 مليار يوان من سندات الخزانة الخاصة طويلة الأجل لتمويل برامج استبدال السلع الاستهلاكية في محاولة لتحفيز الاستهلاك المحلي وتعزيز الطلب الداخلي.
أظهرت بيانات السيولة أن المعروض النقدي الواسع (M2) ارتفع بنسبة 9 في المائة في فبراير مقارنة بالعام السابق متجاوزا توقعات السوق في حين ارتفع المعروض النقدي الأضيق (M1) إلى 5.9 في المائة. كما استقر نمو إجمالي التمويل الاجتماعي وهو مؤشر واسع للائتمان والسيولة في الاقتصاد عند 8.2 في المائة.
تشير هذه المؤشرات إلى أن السلطات الصينية تحاول تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي ومنع تراكم المخاطر المالية خصوصا في ظل مستويات الدين المرتفعة لدى الحكومات المحلية والشركات.
تعكس الإجراءات الأخيرة لبكين توجها مزدوجا يجمع بين تشديد الرقابة على الدعم الحكومي المحلي وتعزيز أدوات التحفيز الاقتصادي على المستوى الوطني. وبينما تسعى الصين إلى الحفاظ على استقرار سوقها الداخلية وتحفيز الطلب يبقى نجاح هذه السياسات مرهونا بقدرتها على إعادة الثقة إلى المستهلكين والشركات في مرحلة حساسة من مسار الاقتصاد الصيني.







