نقف ... في حضرة هؤلاء

{title}
راصد الإخباري -

بقلم : هاشم الحجايا 


في خطوة تجسد قيم العشائر الأردنية في التسامح والصفح، وتؤكد أن العرف العشائري الأصيل يبقى سداً منيعاً في وجه الأحزان والخلافات، توجهت جاهة عشائرية مؤلفة ومكلفة من عشائر بني معروف، عشيرة السائق في حادثة حافلة الأبيض، برئاسة الشيخ مطلق الحجايا، لأخذ العطوات العشائرية من ذوي الشباب الستة الذين فقدوا حياتهم في الحادث، وهم من مكلفي خدمة العلم. وضمّت الجاهة قامات وشيوخاً ووجهاء ومخاتير من مختلف مناطق المملكة، في مسعى إنساني يهدف إلى تهدئة النفوس، وإظفاء العرف العشائري الأصيل في مثل هذا المصاب الجلل، وإعلاء قيم الخير والعفو والصفح التي طالما ميزت المجتمع الأردني.

ولم تكن هذه المشاركة مجرد إجراء شكلي أو موقف عابر، بل مثّلت عند القائمين عليها أجراً وثواباً يسجله الله لمن شارك واقتطع من وقته، وتحدث بكلمات لامست قلوب الناس، وأسهمت في تخفيف الأحزان. فقد تحركت الجاهة بين بيوت العزاء ومناطق مختلفة، وفق الأعراف العشائرية المتبعة، لتقديم كلمة الخير والعزاء، ومنح ذوي المتوفين العطوات العشائرية حسب التقاليد، في مشهد يجمع بين الحزن على الفقد، والتمسك بقيم التآخي والتسامح.

وفي مقدمة المشاركين في هذه الجهود، يبرز الشيخ قاسم زعل مشيّش أبو مريغية، المعروف بالمراغية، وهو من القامات العشائرية في منطقة لواء الحسا ويتبع لقبيلة الحجايا. ويُسجل له أنه ترأس بلدية الحسا لفترات، ويترأس حالياً بلدية في محافظة الكرك، كما يُعرف بحضوره الدائم في موضوعات العادة والعرف العشائري والعطوات، وفي تعزيز قيم التسامح والصفح بين المجتمعات. ولم يكن حضوره في هذه الجاهة إلا امتداداً لمسيرة طويلة من العمل الخيري والمجتمعي، ورأب الصدع بين الناس.

كما نذكر الشيخ موفق ابو جفين الحجايا، الذي كان حاضراً دائماً في كافة مساعي الخير، هو وشقيقه الشيخ توفيق ابو جفين، اللذان يُسجّل لهما رأب الصدع والخلافات، وزرع القيم الفضلى في المجتمع، من خلال مساهمتهما بأوقاتهما، والتحدث بكلمة الخير ضمن الأعراف العشائرية المتبعة. فهذه المواقف ليست جديدة عليهما، بل هي جزء من دورهما في خدمة المجتمع وتعزيز لحمة أبنائه.

وقد ترددت في هذه المساعي أسماء الشيخ أكرم الرواحنه، وعدد من قبيلة بني حميدة، منهم السنيد والعمر من الكرك، ممن شاركوا في إطفاء نار الفقد، وإعلاء قيم التسامح والخير. ولا يمكن أن ننسى الوجيه حسن ظاهر البنيان الحجايا، وسعود العواديين، وكل من سعى واقتطع من وقته يوماً كاملاً للتنقل بين بيوت العزاء والسير في الإجراءات العشائرية، وتقديم كلمة خير كان لها أثر بالغ في نفوس الناس، وتركت في القلوب أثراً طيباً يعكس أصالة المعدن الأردني.

ونؤكد هنا أن حضور النائب السابق المحامي فيصل الأعور في رحلة أخذ العطوات العشائرية أمس كان له أثر بالغ في توضيح الصورة الحقيقية لعشائر بني معروف، وأنهم جزء أصيل من المجتمع الأردني الذي نعتز بتواصله مع باقي العشائر الأردنية. فقد جاء هذا الحضور ليعزز رسالة الجاهة في أن العرف العشائري حين يُحسن توظيفه يصبح جسراً للتواصل والتآخي، لا وسيلة للفرقة أو التباعد.

وفي هذا السياق، منحت ذوو المتوفين العطوات العشائرية وفق الأعراف، وسُجل لمن سمح بتكفيل السائق موقفهم الإنساني، ومنهم عشيرة الزوايدة، وعشيرة الرياضي في منطقة القويرة، وعشيرة السلامات في منطقة القويرة، الذين لم يمانعوا في تكفيل السائق. وقد حملت هذه المواقف رسالة واضحة بأن القلوب لم تحمل غيظاً أو كراهية تجاه المتسبب، بل قابلته بتسامح وعفو، إيماناً بقضاء الله وقدره، وبأن ما حدث مصاب جلل أصاب الشعب الأردني بأسره، ومسّ كل بيت وكل قلب.

لقد حافظ المجتمع الأردني، على مدى عقود، على قيم التسامح والترابط، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. وبقيت هذه القيم متأصلة في وجدانه، فعُرف عنه قبول كلمة الخير، ونبذ خطاب الكراهية، ورفض كل ما يدعو إلى التفرقة والعنصرية بكافّة أشكالها، والتمسك بالمحبة والعفو والصفح والتآخي والشعور بالمسؤولية تجاه الآخر. وهذه القيم ليست مجرد شعارات، بل هي سلوك يومي يظهر في الأزمات والمصائب، كما ظهر في هذه الجاهة التي جمعت الشيوخ والوجهاء والمخاتير في موقف واحد.

وختاماً، فإن هذه المواقف الإنسانية تؤكد أن المجتمع الأردني لا يشبه أي مجتمع آخر في هذه القيم، وأن ما جرى من عطوات وجاهات وتكفيل للسائق هو صورة مشرقة للعرف الأردني الأصيل، الذي يوازن بين حق الضحايا، وكرامة ذويهم، وقيم العفو والصفح التي طالما ميزت أبناء هذا البلد. فما أحوجنا اليوم إلى تعميم هذه الثقافة، وإلى أن تبقى كلمة الخير هي الفصل في كل خلاف، وأن يظل التسامح جسراً يربط أبناء الوطن الواحد، مهما اشتدت المصائب وتعاظمت الأحزان.