لم أُبعث لعّانا وانما بُعثت رحمة
راصد الإخباري -
حسين الرواشدة
اذا سألتني عن العنوان الذي نحتاج ان نذهب اليه ونحن نستذكر النبي صلى الله عليه وسلم ونحتفى بذكرى مولده، سأجيبك على الفور : " الرحمة”، ذلك ان صورتنا التي تلوثت بدمائنا، واخلاقنا التي تراجعت امام مشاهد القسوة، وافئدتنا التي انفطرت من هول الكوارث والحروب، تدفعنا الى البحث عن " ملاذ " آمن نطمئن فيه الى انفسنا، ونستعيد ثقتنا بها، وايماننا بقدرتنا على تجاوز ما نحن فيه، واي ملاذ افضل من "الرحمة” التي جسدها الرسول الكريم في سيرته الشريفة وافتقدناها للاسف في هذا العصر الرديء الذي امتدت رداءته الى ضمائرنا المتعبة من الظلم والخوف والاحباط.
نعم، اذا اردت ان تعرف الاسلام على حقيقته فاقرأ آيات الرحمة في الكتاب العزيز، وتصفح قصصها في احاديث الرسول عليه السلام، وانت - لا بد - ستجد من يطمئن نفسك ويشحذ همتك ويقوي ايمانك وعزيمتك ويجعلك اكثر اقترابا لخالقك وتصالحا مع نفسك وحبا لدنياك وآخرتك.
ورد لفظ الرحمة في اكثر من (400) موضع في القرآن الكريم، اختاره الله تعالى ليكون واحدا من اسمائه الحسنى وصفة من صفاته، ونعت به انبياءه ورسله، وجعله معيارا للعلاقة الطيبة بين عباده المؤمنين، وجزاء للمتقين الصالحين.
لقد سعى النبي عليه السلام منذ بداية الدعوة الى تأسيس ثقافة الرحمة واشاعة مناخاتها لاقامة المجتمع المتحاب المتكافل، واستطاع في سنوات قليلة ان يعيد تشكيل العقلية العربية التي كانت اكثر ميلا للقسوة، بحكم المكان والظروف والمراسيم، لتصبح اكثر تسامحا ورأفة ورحمة، ولم تتوقف المسألة عند علاقة المسلم بأخيه بل تجاوزتها الى علاقاته مع غيره ممن يختلفون معه في الدين والمعتقد، ومع الكائنات والموجودات ايضا،
وفي سيرة الرسول الاكرم نماذج كثيرة من الرحمة مع الكافرين والمخالفين، ومع الحيوانات، وحتى في احلك الظروف حيث يشتد اوار القتال وتنسحب من القلوب مشاعر الرحمة، كان عليه السلام يأمر جنده بألا يطلبوا القتال لذاته، والا يسرفوا فيه، لا بل وان يرحموا اعداءهم من غير المقاتلين ايضا.
في الحديث النبوي الشريف حين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ادع على المشركين؟ قال: "اني لم ابعث لعانا وانما بعثت رحمة" وحين طلب منه بعض الصحابة ان يدعو الله بان يهلك المشركين خالفهم في ذلك ودعا صلى الله عليه وسلم بان يخرج من اصلابهم من يعبده ولا يشرك به احدا.
نحتفي -دائما - برسولنا ونستأنس به من وحشتنا ونلوذ الى سيرته لنبدد يأسنا وخوفنا، ونعتز بعظمته وانسانيته ورسالته لنجدد ايماننا، فالرحمة احيانا قبل العدل، اما الذين يحاولون فرض الالتباس بينها وبين ما قرره الاسلام من احكام في اطار العقوبات - وما اقلها - فلا اكثر من ان تقول لهم: وما ارسلناك الا رحمة للعالمين؛ لأن هدف الاسلام - بكل ما جاء به - هو رحمة الناس، "مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ " صدق الله العظيم







